جمانة غنيمات

من يحمي المستثمرين؟

تم نشره في الخميس 16 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

تاريخيا، كان المسؤولون يسوقون الأردن كبيئة استثمارية جاذبة، تتمتع بالأمن والأمان. وكثيرا ما ساعدت هذه الميزة الإيجابية البلد على استقطاب استثمارات كبيرة، وأقنعت أصحاب رؤوس الأموال بإقامة المشاريع في الأردن.
وحتى فترة قريبة، ظل البلد كذلك. وكان المستثمر يدرك في قرارة نفسه أن حقه محفوظ بالقانون، حتى لو طالت مدة التقاضي، واستغرقت سنوات طويلة، إذ كان يعزي النفس بأنه آمن على ماله وعياله، مطمئن على حاضره ومستقبله.
لكن الأمر بدأ يختلف في الآونة الأخيرة؛ إذ بدأ العديد من أصحاب الاستثمارات والمشاريع يتعرضون إلى ما يمكن توصيفه بـ"البلطجة" من قبل بعض المستقوين عليهم لفرض مطالبهم على الشركات.
والمشكلة ليست في أصحاب السوابق والبلطجية، فهؤلاء موجودون في كل مكان وزمان، بل تكمن المشكلة في ضعف تطبيق القانون عليهم ومحاسبتهم وعقابهم على ما يقترفون من مخالفات، خصوصا أن حوادث الاعتداء على المشاريع تكاثرت خلال الفترة الماضية، ربما لعلم المعتدين بأن تطبيق القانون اليوم في أضعف حالاته، وأن بإمكانهم استثمار الحال العام لفعل ما يريدون.
وتسبب التراخي في تطبيق القانون في شيوع ثقافة "آخذ حقي بيدي"، وبما يعيدنا إلى ما قبل الدولة، حينما كانت التجمعات تتقاتل على الماء والكلأ. وخطورة ذلك أنه يهشم فكرة دولة القانون والمؤسسات، ويفرغها من مضمونها الحقيقي الذي عملت أجيال كثيرة على تطبيقها وتكريسها على مدى عقود.
الحال مقلق ويطرح سؤالا مهما: من الذي اغتال القانون وجعل تطبيقه في الحدود الدنيا؟ ومن الذي يدفع المجتمع إلى الاقتناع بأن الحقوق تؤخذ عنوة، وأن الدولة بكل مؤسساتها عاجزة عن حماية صاحب مشروع أو مصنع أو محل تجاري.. إلخ؟
الاعتداء على الاستثمار، وتحديدا المقيم والوطني، بات يتكرر؛ إذ جرى الاعتداء على شركة القدس للتأمين منتصف الأسبوع الحالي، وقبلها كان الاعتداء على مصنع المناصير، وقبل هذا وذاك نعلم جميعنا أن ثمة عصابات متخصصة بسرقة السيارات تعجز كل الكوادر عن ضبطها ووضع حد لها، حتى ظن هؤلاء أن القانون ملكهم، وأن بإمكانهم تطبيق الشريعة التي يريدون والتي تخدم مصالحهم. ودعم ذلك حالة الضعف المريبة التي تلف الأجهزة المعنية، والتي لم نعد نخمن متى تطبق القانون ومتى تهمله! ومتى تلجا إلى الأمن الناعم أو ما يسمى بالأمن الخشن!
الدلالات كثيرة على تراخي الأمن في أداء دوره، وأروي هنا حادثة تؤكد صحة النظرية.
فبعد مشاجرة بين مجموعة من الشباب، لجأ أحد المصابين إلى دورية شرطة كانت متوقفة في مكانها المعتاد بالقرب من موقع المشاجرة، لنجدته ومساعدته ضد من اعتدى عليه. لكن المفاجأة الصادمة كانت بأن ردة فعل رجال الأمن لم تكن بحماية المعتدى عليه، بل بإدارة محرك السيارة وترك موقع الحادثة بدون حتى أن يسعفوا الجريح، أو حتى نقله إلى المستشفى بعد ضربه بأداة معدنية حادة!
ما حدث للشاب وللشركات والمصانع، مقلق وخطير؛ إذ كيف يتسنى لأحد أن يتغنى بالأمن والأمان ويظن أنه محمي من الدولة، بعد أن يتركه الأمن فيما دمه يسيل بدون أن يبادر إلى تطبيق القانون، وكأننا في العام 2012 نعود إلى ما كان عليه الأجداد الأولون، وإلى عهود ما قبل الدولة، بإنهاء كل المشاكل بصراع لا ينتهي إلا بفنجان قهوة، وبما يجعلنا نتساءل عن حاجتنا إلى الأمن والقانون والمحاكم والقضاء!
ليس المطلوب أمنا ناعما أو خشنا، فما نحتاجه بشدة هو الأمن فقط، وتطبيق القانون لحماية المعتدى عليهم، وصون الحقوق ومعاقبة المخطئ، بحيث نقضي على كل أشكال البلطجة التي بدأت تأخذ مدى جديدا، وتضرب السمعة الاستثمارية الطيبة للبلد، وتنفر المستثمرين من العمل وتدفعهم إلى ما لا نحبه ونرضاه.
استعادة هيبة الدولة واحترام القانون ما تزال ممكنة، شريطة وضع مسطرة واحدة تطبق على الجميع بعدالة، وبدون استثناءات وأجندات.

jumana.ghunaimat@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قبل فوات الآوان (د.عاصم الشهابي)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    المطلوب أن تسرع الدولة الأردنية بحماية مصالح وممتلكات المواطنيين قبل أن يهرب أصحاب المال من البلد. فلا يجوز بأي حال أن يستمر مسلسل الأعتداء على المؤسسات الأقتصادية والعاملين فيها. أن مستقبل أزدهار أي بلد في العالم يعتمدأولا وأخيرا على مقدار ما يتمتع فيه المواطن من أمن وحرية عمل ضمن القانون والنظام السائد بعدالة على الجميع.
  • »لم يكن استثمارا ...! (ابو ركان)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    عن اي استثمار تتحدثين يا سيدتي؟ نعم لقد تم التغرير بالكثير للاستثمار بالبلد وكان الهدف لمن اتى بهم هو العمولة التي سيتقاضونها منهم , فكثيرا من مشاريع المستثمرين هؤلاء تعاني اليوم من مشاكل ليس اقلها تغول اهل المنطقة التي تم اقامة تلك المشاريع عليها على اصحاب تلك المشاريع, بعد ان تخلى عنهم من احضرهم بالاصل وقبض عمولته.
  • »صدقت يا اخت جمانه (huda)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    انا واحد من المستثمرين ممن اصبحت اعد الى 1000 قبل القيام بأي مشروع او تحويل اموال للاردن والمسؤل هي الدولة لضعف تطبيق مبدأ سيادة القانون ولوجود انس فوق القانون والدولة تعرفهم جيدا جدا جدا
  • »الاعلام وهيبة الدولة (خالد)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    من أحد أسباب تمادي البعض على هيبة الدولة هو تمادي الاعلام على هيبة الدولة أيضا وأعطاء المبررات لبعض النفوس الضعيفة أنطباع بشكل غير مباشر بان المسؤولين الكبار أستحلوا المال العام فمن حق المواطن البسيط ان يلحق حاله ويستحل ما بقي من الكبار من الفتات لاخذه عنوه بطريقة الخاوه والاستهبال احيانا, وهؤلاء يدركون تماما بأن الذين يطالبون فيه من حقوق ليست من حقهم بل تطاول على حقوق الاخرين , للأسف نحن شعب تعودنا أن ناخذ ونطالب بما نعتقد أنه من حقنا دون ان نعطي عملنا ووطننا شيئ لنشعر بالانتماء الصادق للوطن دون تزييف بالقول والعمل.
  • »الجهة الخفية (مراقب)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    جميع المواطنين يطالبون بالعودة الى النظام الأمني المتشدد ولكن لا من مجيب..ترى من هي الجهة الخفية التي تقف خلف هذا التسيب الأمني ومن الذي يوجه الدوائر الأمنية ويمنعها من تأدية واجبها تجاه المواطنين.
  • »الأمن الاقتصادي والاجتماعي والصحي ونظرة الناس لدور الأمن (يافا العجمي)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    أوافق الكاتبة أن الأمن المباشر هو أداة مهمة لحماية الاستثمار والمجتمع والدولة، ولكن أيضاً الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي والأمن الصحي وغيرها من أشكال الأمن التي تصيب الاحتياجات الأساسية للناس. كما أن نوعية الناس له دور مهم، فكلما أتسعت الطبقة الوسطى كلما ترسخ الأمن والأمان، وكلما كان التعليم أوسع من أداة للحصول على وظيفة بحيث يكون مكونه التربوي راسخ كلما كان الأمن أكثر نوالاً وتحقيقاً. طبعاً قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمواطنة لها دور أيضاً. سأعطي مثالاً، عندما يكون هناك ردار في الشارع فإن السيارات المتجاوزة للردار تحذر السيارات على الناحية الثانية بإشارة مصابيح السيارة، بينما عندما كنت أدرس في سويسرا أجري هناك مسح للرأي خلص إلى أن 7 من 10 سويسريين يلحظون أحدهم يخالف القانون يتصلون فوراً بالشرطة ويبلغوا. هناك اليوم في الأردن ظاهرة فقراء يسرقون من فقراء، وهذا مؤشر اقتصادي واجتماعي خطير لا يمكن حله أمنياً فقط.
  • »قبل تطبيق الامن يجب النظر لماذا العنف اخذ بالازدياد ؟ (أردني بفكر حاله بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    من وجهه نظري ان العنف لدينا ازداد وكذلك الانفلات الامني للاسباب التاليه :
    بالنسبه للمواطن ازداد عنفه ليس لانه مواطن راغب بالعنف ولكن لفقدانه الشعور بالامان الاقتصادي لحياته ومستقبله وفقدانه الثقه بالدوله وانها غير موجوده لكثره خداعها له .
    اما الانفلات الامني سببه الاجهزه الامنيه بحد ذاتها لانها باتت تخشى من هيجان شعبي فيما لو تدخلت بشكل جدي ضمن القانون نتيجه الاوضاع التي يسببها الربيع العربي من حولنا ,ولذلك تراخت وحصل انفلات امني , وبات الناس يشتبكون مع بعضهم البعض بشكل متكرر لأتفه الاسباب والدوله باتت عباره عن حكم يفض الاشتباكات فقط.
    لذا بات لزاما على الدوله ان تعيد للمواطن ثقته بدولته وان تعمل على ما يمكن ان يشعره بالامان الاقتصادي والاجتماعي من خلال تطبيق اصلاحات ديموقراطيه حقيقيه وليس مسرحيات هزليه .وعلى الدوله ان تتعامل مع المواطن بانه مواطن يرقى الى مستوى الشعوب المتقدمه الاخرى وانه يستحق الحصول على ديموقراطيه حقيقيه.