الملك واستعادة مفهوم المواطنة

تم نشره في الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

على الرغم من أن حديث الملك المطول مع  شبكة "سي. بي. أس"، وقناة "بي. بي. أس"، ووكالة "بلومبيرغ" للأنباء، الأسبوع الماضي، لم يتضمن بشكل مباشر مفهوم المواطنة والأزمة الأساسية التي يدور حولها الفصل الثاني من الربيع العربي، إلا أن الفكرة المركزية التي دار حولها جل حديث الملك تتمثل في الفهم الموضوعي للمواطنة، وما يخلفه فقدان هذا الفهم من إشكاليات في المجتمعات المتحولة، ويثيره من مشاعر حادة ومتناقضة؛ هذا في وقت تحاول فيه نخب تقليدية وجديدة احتكار تفسير هذا المفهوم، وتسعى إلى ضبط عقارب ساعة التحولات على مقاسها ومصالحها، وهو ما ينسف فكرة المواطنة من أساسها. وهذا ما ذهب إليه الملك، بطريقة أو أخرى، في تحليله المعمق للجدل الدائر بالكلمات في مصر والأردن وتونس والمغرب، والجدل الآخر الدائر بالطلقات في سورية والعراق ولبنان وغيرها.
في الفصل الأول من الربيع العربي، كان أحد عناوين التفاؤل يدور حول شفافية الحدود القطرية بين المجتمعات العربية؛ كيف أثبتت الحدود السياسية أنها شفافة أمام الرغبة في التغيير، وكيف انتقل التوق إلى الديمقراطية بين العواصم العربية بسرعة الريح. فهذه المجتمعات لم تحركها الثورة الشعبية في شوارع طهران قبل عقود، رغم شعاراتها البراقة وجاذبيتها الثورية؛ كما لم يحركها ربيع جاكرتا في أندونيسيا قبل سنوات، بل الذي حركها هو الحواس الثقافية المشتركة للناس التي تشكلت عبر المدد الطويلة بفعل الثقافة ورغما عن السياسة. وفي الفصل الثاني من تحولات الربيع العربي، يلتقط الملك التحول السريع في حجم الانكفاء القطري الذي يعيد طرح سؤال المواطنة من جديد نحو إعادة بناء الدولة الوطنية على قواعد جديدة.
التحول الدرامي الذي يحتاج أن يُراقب بفطنة وحكمة كما يصفه الملك بعمق، هو أن كل بلد يسعى اليوم إلى تعريف نفسه؛ فالمصريون يتساءلون ماذا يعني أن تكون مصريا، وفي تونس ماذا يعني أن تكون تونسيا، وفي ليبيا ما معنى أن تكون ليبيا، ويريد المواطن الأردني اليوم أن يعرف ماذا يعني أن يكون أردنيا، وفي سورية -بعد أن تنجلي الأحداث- سوف يتساءل السوري ماذا يعني أن يكون سوريا. هذا هو التحدي الأكبر الذي يقود من الفكرة الإقليمية القومية، إلى القطرية والانشغال بالشؤون الذاتية.
في هذا السياق، تزدحم المقولات العقائدية والثقافية والجهوية والطائفية والعرقية، وتحمل حمولة سياسية. والحكيم من يستطيع أن يصل إلى مفهوم توافقي للمواطنة، بأبعادها التاريخية والجغرافية والقانونية والسياسية؛ والحكيم من يصد أي نزعة احتكارية تدعي تمثيل الناس، وتتحدث بأسلوب الوصاية عنهم.
الملاحظة الأخرى التي أبرزها حديث الملك في سياق إعادة بناء المواطنة، ويحتاج خطاب الدولة الأردنية إلى أن يشتغل عليها بحكمة أكثر، هي الابتعاد عن مغالطة سياسية معاصرة تتردد في هذا الوقت، بتقديم "السُّنّة" على أساس أنها طائفة مقابل طائفة. وهو ما نبه إليه الملك في وصفه للمشهدين السوري والعراقي والتعاطي معهما. فتاريخيا، لم تطرح "السُّنّة" وأهل الجماعة ذاتها كطائفة دينية، بل عبرت عن نفسها، عبر التاريخ، بأنها الأمة. وثمة فجوة واسعة بين وعي الأمة ووعي الطائفة؛ إذ ظهرت الطوائف الأخرى كأحزاب سياسية وتيارات فكرية وعقائدية خارجة على الجماعة التي تمثل الأمة في السياق التاريخي، حتى إن مفهوم "أهل السنة والجماعة" لم يظهر إلا في القرن الثالث الهجري، بعد أن وصلت الفتن والاضطرابات السياسية حول الطوائف قمتها، وجاء هذا المفهوم في سياق محاولات للتمييز الديني السياسي للأمة بأكملها. وهذا سياق تاريخي وليس آيديولوجي غير قابل للاستعادة أو التوظيف اليوم، إذ يجاوز السُّنّة 86 % من المسلمين في العالم.
توفر الملكية الدستورية في نموذجها الأردني الراهن، إذا ما فتحت المزيد من الأبواب لإنضاج الديمقراطية، فرصة لتعيد رسم مكانة الأردن في التحولات الإقليمية. ولا يوجد أفضل من تحويل التحدي إلى فرصة، وهو ما يتمثل في استعادة مفهوم المواطنة، وإعادة إنقاذه مما لحق به من تشويه، وإعادة تأسيسه لمصلحة قوة الدولة ولكل مواطنيها.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق