إبراهيم غرايبة

الحكومة و"الإخوان المسلمون" تهربان إلى "الأزمة"

تم نشره في الثلاثاء 7 آب / أغسطس 2012. 02:00 صباحاً

يبدو واضحا من السلوك السياسي والإعلامي للحكومة أنها تريد للإخوان المسلمين أن يقاطعوا، أو على الأقل أن يشاركوا في ظل أزمة سياسية بين الطرفين. ويبدو واضحا، أيضا، أن الإخوان المسلمين يجدون في المقاطعة ملاذا آمنا للاستمرار في العمل والتأثير والخطاب؛ ربما يؤدي الانتقال منه إلى مرحلة جديدة من الإحراج والفشل والتفكك.
هذا التواطؤ اللاشعوري بين الحكومة والإخوان يؤشر على أننا، حكومة ومجتمعات وجماعات سياسية، نريد إصلاحا يهبط من السماء بردا وسلاما، ولا نريد الاعتراف بأن للإصلاح استحقاقات مؤلمة ومكلفة، ولعلها أشد إيلاما من استمرار الوضع القائم.
بالنسبة للحكومة، فإن الأزمة مع الإخوان المسلمين أقل كلفة من مواجهة الاستحقاقات الأساسية للإصلاح، وهي ابتداء لا علاقة مباشرة لها بقانون الانتخاب ولا بالانتخابات، ولكنها متصلة بواجبات الحكومة الأساسية في تطوير الأداء العام وتحسين الخدمات الأساسية والارتقاء بمستواها، ومواجهة الترهل والهدر الواضحين. سوف تضطر الحكومة في غياب الأزمة إلى صيانة المدارس وتوسعتها، ومواجهة التهرب الضريبي والاعتداء على المياه، وترشيد الإنفاق.. وجمعيها أعمال مملة وقاسية، وتغضب أصدقاء الحكومة وحلفاءها.
وبالنسبة للإخوان، فإن الأزمة تمنحهم شعورا بالأمان، لأنهم لا يملكون سوى الاحتفال بالفتح الصلاحي والعهدة العمرية، والنقد المنعش اللذيذ! والاستمتاع بشعور الضحية والمظلومية والبطولة الرومانسية!
وبالنسبة للمجتمعات، ففي تحولها إلى عالة على الدولة ومشجع لأحد الطرفين (الحكومة والمعارضة)، تتظاهر بأنها لا تدرك أنها الأكثر تحملا لأعباء الإصلاح، وأنه يجب عليها ملاحظة أن القمح لا يزرع في البورصة، والفواكه لا تصنع في السوبر ماركت، والماء لا ينبع من الخزان على السطح، وأن الحكومات والشركات غير مؤتمنة منفردة على التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وأن تحالفهما (السلطة والشركات) موجه أساسا ضد المجتمعات، وأن الإصلاح في جوهره تسوية معقدة تقترب من الصراع بين الدولة والنخب من جهة، وبين المجتمعات والطبقات الوسطى والنخب المستبعدة من التحالف من جهة أخرى.
الجدل حول الانتخابات يكشف عن إقرار ضمني متواطئ عليه بين الأطراف (الحكومة والمجتمعات والإخوان والمعارضة) أن ثمة طبقة أو نخبة سياسية واقتصادية تسمى "الحكومة"، تحتكر حالة دائمة ومهيمنة من التأثير وتوزيع الموارد والفرص، وتقابلها نخبة معارضة تسعى إلى الضغط والتأثير في الحكومة (الطبقة)، مستخدمة الرأي العام والتأثير الإعلامي والسياسي، وأن إنجازها المأمول هو التأثير في الحكومة ودفعها إلى موقف جديد!
ولكن الحكومة والمعارضة لا ترغبان في مشاركة المجتمعات والطبقات الاجتماعية والاقتصادية في تنظيم العملية السياسية والاقتصادية، ولا ترغبان في النظر إلى الأزمة باعتبارها محصلة لتسويات طويلة ومعقدة بين الدول والمجتمعات والأسواق.
هذا الفرق الكبير في حسابات العملية السياسية في الأردن بين الدولة والمجتمعات والإخوان والمعارضة بعامة، يجعل المجتمعات تنظر إلى الانتخابات والحياة السياسية برمتها مثل عرس في بيت الجيران. وربما تكون سلبية المجتمعات هذه، أو اختلاف حساباتها في الانتخابات والسياسة عن الحكومة والمعارضة، هي ما يفسر تناقضات العملية السياسية وغرابتها في الأردن.
خيار المعارضة السياسية في إدامة حالة شعبية ومجتمعية معارضة للانتخابات والحكومة ومواقفها وسياساتها، وكأن شعورها العميق والباطن أنها معارضة أبدية، وأنها سوف تظل إلى الأبد معارضة، وأن قدرها أن تظل تطالب. ولكن الإصلاح المطلوب هو برنامج واضح، تتقدم به الكتل والجماعات السياسية والاجتماعية إلى المواطنين، وتعدهم بتطبيقه في حال نجاحها في الانتخابات والمشاركة السياسية أو تشكيل الحكومة المقبلة.
فلسفة المطالبة، وربط الإصلاح بالقدرة على التأثير والضغط، تعني الاعتقاد المشترك بأن ثمة طبقة حكومية دائمة ومعارضة دائمة، وتؤكد أن الربيع لم يصل بعد إلى المعارضة كما لم يصل إلى الحكومة (الطبقة).
المطلوب من المعارضة أن تقدم برنامجها وتصورها للحكم، وأن تتقدم إلى المواطنين لانتخابها على أساس هذا البرنامج، وأن تضع شروطها للإصلاح الذي تطالب به الحكومة في برنامج انتخابي تعد المواطنين بتطبيقه والعمل على تحقيقه؛ ولا يضيرها ألا تحصل على عدد كاف من المقاعد النيابية، ففي النهاية لا يمكن فرض برنامجها ومطالبها على المجتمعات، ولا طريق حقيقية أمامها سوى الرهان على المجتمعات، وبغير ذلك فلا إصلاح حتى لو استجابت الحكومة لجميع مطالب المعارضة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق