محمد أبو رمان

من يعرف الجواب؟!

تم نشره في الأحد 5 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

الرسالة الموجّهة من "مبادرة من أجل مواطنة متساوية"، التي كشفت الزميلة القدس العربي عن فحواها، تحمل دلالات وإشارات مقلقة للغاية عن حالة "الجبهة الداخلية" اليوم.
 تضمّنت الرسالة "مظالم" معروفة، نتحدث بها في الإعلام بصورة مستمرة، وبعضها بحاجة إلى نقاش أعمق. لكن اعتراضنا واختلافنا بصورة رئيسة مع طبيعة الخطاب أو اللغة المستخدمة، التي تعاطت مع مشروع الإصلاح السياسي المنشود بمنطق "المحاصصة"، وبروح فئوية وجهوية، وهذا نقيض لقيم المواطنة نفسها!
 المنزلق الذي يهوي إليه هذا الخطاب أنّه يعيد تعريف النخب السياسية، وفقاً لخلفياتها الاجتماعية، ونصبح وكأنّنا أمام مجتمعات وليس مجتمعاً واحداً، وتتوارى اللغة السياسية لتحل محلها لغة فئوية، فإذا كان المشروع الوطني قوياً، والشعور بأنّ الدولة هي للجميع، لا تحابي فئة على أخرى، ولا تتلون في علاقتها مع المواطنين، وفق أسس هلامية، عند ذلك لن نجد مثقفا أو سياسيا يتحدث باسم الشرق أردنيين أو الأصول الفلسطينية أو البدوية أو الشركسية..الخ!
 المفارقة الرئيسة أنّ هذه الرسالة تأتي بعد أيام من جهود رسمية غير معلنة، قامت بها الحكومة، وساهم فيها سياسيون، لحثّ "الأردنيين من أصل فلسطيني" على المشاركة في الانتخابات، تخلّلتها لقاءات مع مخاتير من المخيمات، بعد رفع القائمة الوطنية إلى 27 مقعداً، لكي تحسّن من تمثيلهم في مجلس النواب القادم.
 إذاً، الرسالة تشكل الوجه الآخر لخطاب الدولة في هذا  المجال! فبدلاً من أن يعتمد خطاب الدولة على أسس حديثة ومعاصرة، يعود بالناس إلى المخاتير والوجهاء وشيوخ العشائر، ويتعامل مع المكونات الاجتماعية بوصفها قوى سياسية. فمثل هذا الخطاب سيأتي بتلك النتيجة، ما سيعزّز الأزمة الاجتماعية- السياسية ويدخلنا في نفق مظلم، تتآكل فيه قيمة الدولة لصالح الجماعات والمجموعات الإثنية والدينية والطائفية!
 الحصيلة أنّنا بدلاً من توحيد المجتمع على المفاهيم الوطنية الجامعة، ننمّي الهويات الفرعية، ونفكّكه ونجعل منه جماعات متصارعة متحاربة، سمة العلاقة بينها التوتر والشكّ والهواجس المتبادلة، وهذا بحد ذاته من أهم محرّكات العنف الاجتماعي والجامعي.
 ذلك الاضطراب والارتباك انعكس حتى على "رجال الدولة"، فثمّة فقر شديد في النخبة الرسمية الحالية، لا تكاد تجد شخصية سياسية محنّكة تستطيع أن تخاطب الرأي العام وتحمل مشروع الدولة، أو تقدّمه إلى الناس، وتدافع عنه بلسان عربي مبين.
 بل امتد تأثير ذلك إلى النخب التي تمكّنت الدولة من إدماجها في مشروعها في العقود الماضية. شعرت بالوحدة والغربة، فعادت إلى خطابات يمينية هنا أو هناك! ففي عقدي السبعينيات والثمانينيات إلى منتصف التسعينيات نجحت الدولة في تحديد معالم أساسية في علاقتها بالمجتمع والأفراد، وتمكّنت من إعادة احتواء وتوظيف دائرة واسعة من النخب المثقفة والسياسية، ومن أصول فلسطينية وبدوية ومن المحافظات، وأصبحت هذه النخب تمثّل الدولة وتحمل خطابها وتدافع عن مشروعها، وكان الجميع يعرف أين تقف الدولة وما هو خطابها!
 اليوم تبدو الدولة بلا مبادرة جامعة تملأ الفراغ، بدلاً من ذلك ترتدي في الصباح "ثوباً عشائرياً"، وتحاول في المساء "مغازلة" الشرائح الأخرى، وتضع مشروعها الوطني في مهب الريح، إذ لم نعد نعرف فيما إذا كنا نريد دولة عشائر أم دولة محاصصة أم دولة مواطنة ومؤسسات، لأنّنا نتحدث بكل اللغات المتضاربة. وإذا كان أحد من داخل الدولة يعرف الجواب سنكون له من الشاكرين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب على الأخ اسماعيل (محمد أبو رمان)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2012.
    أخي العزيز أتفق معك تماماً فيما قلت، لكنني لا أعتقد اننا نصمت على هؤلاء الكتاب، وجرت مساجلات معهم، لكن لا أتوقع أن نبقى نناقش طروحاتهم المكررة كلما كتبوا فيها، وإلا ستتحول مقالاتنا إلى ردود أفعال، نحن نحاول هنا أن نتحدث عن المشروع الذي نؤمن به في مواجهة المشروع الذي يروّج له هؤلاء؟؟
  • »بل السؤال هو... (Sami)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2012.
    السؤال هو: كيف يمكن ايجاد دولة مؤسسات و مجتمع مدني, و انهاء الفئوية و العشائريه عندما يكون كل اصحاب المناصب و القرار في معظم مؤسسات الدوله من خلفيات عشائرية وصلوا لمناصبهم عن طريقها و يخططون لضم اخوتهم و توريث ابنائهم من بعدهم بنفس الطريقة التي وصلوا بها, و بخطاب متزايد من تشجيع كره الاخر و شيطنته.
  • »وأكون لك من الشاكرين؟ (اسماعيل ابن أبيه)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2012.
    مقالك ومنطقك كالعادة في غاية الدقة والصواب حسب رأيي، لكن هناك مسألة أبحث عن جواب لها منذ مدة وأرجو أن يجيبني عنها الدكنور محمد أو أي من يعرف وسأكون له من الشاكرين: إن كانت لغة رسالة المبادرة تقع في أخدود المحاصصة المبغوضة، فماذا نسمي لغة أعمدة كتاب الرأي في الإعلام الورقي والإلكتروني؟ ولماذا يسكت الكتاب الموضوعيون وغير الفئويين على التعليقات المحاصصية يوميا حين لا يوزر ابن منطقتهم أو حتى على الفيسبوك واليوتيوب، لكنهم ينشطون في نقد مبادرة تطالب بالمساواة؟

    وصل الحال بالبعض جهارا نهارا أن يكرروا مقولة الجاهلية الأولى والثانية قائلين هؤلاء آبائي فإتني بمثلهم، وبالبعض الآخر أن يحط من قدر وعلم أشخاص بسبب "أصلهم" وفي نفس المقال أن يمجد أداء ومؤهلات آخرين بسبب "أصلهم" وكأننا في أيام هتلر؟ فأين أقلام "الإصلاحيين" عنهم؟

    من ينتصر للمواطنة ضد زعران الفئوية وأبطال النسب؟
  • »من يعرف الجواب (ابو مراد)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2012.
    إن ما يدور حول الكواليس هو تخريب هذا البلد فأعدائه كثيرون وهم متواجدون في الداخل والخارج ويريدون لهذ البلد العودة إلى النفق المظلم تنفيذا لمصالحهم الشخصية لذلك لكي نقضي عليهم وعلى مختطتاهم لا بدمن من التزام كافة الحكومات الحالية والمتعاقبة ومعهم النخب السياسية والأحزاب وكافة إفراد الشعب من الالتزام بمطلب واحد وكما نادا به ملك البلاد وهو* نريد دولة مواطنة ومؤسسات حكومية وحقوق إنسانية, ورفض فكرة سياسة المجتمعات والتركيز على المواطنة الواحدة, على الجميع التحدث بلغة واحدة لا بلغات متضاربة, هذا المطلب هو الذي يبعد البلاد عن النفق المظلم ويفشل مختاط أعداء هذا البلد
  • »جرة قلم (عبد الدايم هديب)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2012.
    شكراً للأخ الكاتب
    واتفق معه في اننا لا نريد حكومة عشائر ولا حكومة محاصصة. نريد دولة مؤسسات عصريه عمادها العلم والعدل , من هنا ارى وجوب ان تكون لغة الحكومة وسياستها شفافة في القول والعمل .
    لكن هل وصلنا الى ذلك ؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك ؟بكل تأكيد السياسات الحكوميه المتعاقبه مسؤولة عن ذلك . اما النخب السياسيه عندنا فالسواد الاعظم منها شديدة الشبه بمياه البحر الميت التي لا تصلح للشرب كما لا تصلح للزراعه. والذي يهمني هنا ان هذا الوطن يجب ان يسير دائماً الى الامام ولا شيء يجعلنا كذلك الا الاخذ باسباب العلم والايمان. وشـكراً .
  • »كلام سليم (مواطن)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2012.
    المواطنة تبدأ بانتهاء الفئوية أياً كانت
  • »نريد دولة مواطنة ومؤسسة وديمقراطية وحقوق إنسان (حسناء الغانم)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2012.
    نريد دولة مواطنة ومؤسسات كما طالبت "مبادرة من أجل مواطنة متساوية" في رسالتها إلى الملك. من يؤمن بقيم الديمثراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة والحرية لا يتحدث بلغات متضاربة، أكان حكومة أو نخبة أو مواطن عادي.