ماجد توبة

غياب الرؤية الوطنية الجامعة.. وهاجس عنف لم يأت أخطره بعد

تم نشره في الخميس 26 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

مع تزايد موجات العنف المجتمعي والجامعي التي تضرب في شتى الاتجاهات، تستوقفك التفسيرات والتحليلات التي تقرأ هذه الظاهرة المقلقة؛ تلك التي يصدرها باحثون مختصون، ويصعب القول إنها تحمل الجواب الشافي لهذا التزايد العنفي واتساع رقعته، وحدّته أيضا.
ولم يعد مهما كثيرا استعراض أوجه العنف المجتمعي والجامعي وحوادثه المتناسلة كخلايا الورم السرطاني، والتي لم يعد ينفع في الحد من توالدها وانتشارها علاج سياسي ولا أمني، إذ باتت حديث المجالس والناس قبل النخب والمسؤولين، لأن الجميع بات يكتوي بنارها.
أريد التفكير بصوت عال في العنف المجتمعي، بل وفي ازدياد حدة مزاج الأردنيين، وحالة الغضب والتوتر العصبي التي يتلمسها الجميع حيثما يولون وجوههم؛ في البيوت والحارات والشوارع، في "المولات" والجامعات والمدارس والباصات، بل حتى بيوت الله لم تنج من التشنجات والتوترات المجتمعية!
لا نختلف مع دراسات الأكاديميين في أن الفقر وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية عامل أساسي وجوهري لانتشار العنف المجتمعي والفردي، وتزايد حدته. ولا نجادل في أن غياب سيادة القانون، وتفشي الواسطات والمحسوبيات و"الاستثناءات"، وغياب مفاهيم العدالة والمساواة، والاختلالات في توزيع مكاسب التنمية، والتقصير الرسمي في تأمين الخدمات العامة والأساسية للمواطن، والأبعاد الثقافية والتربوية، كلها أسباب وعوامل لظاهرة العنف.
كل ذلك صحيح، لكنه لا يفسر وحده حجم الظاهرة وحدتها، بل والأهم أنه لا يفسر حجم التوتر والقلق والتوجس من القادم، وهو شعور بات هاجسا حقيقيا تلمسه في أحاديث الناس والنخب، وحتى بين عدد وازن من رجال الدولة، ممن لم يعمهم غرور ولا مكابرة ولا مصلحة، عن رؤية حقائق الوضع كما هي!
شخصيا، أعتقد وأجتهد بأن مفتاح فهم ظاهرة العنف، وتفسير هواجس تفاقمها وانفلاتها -لا سمح الله- هو في النظر إلى الأمام قليلا؛ فالمشكلة في المستقبل، وأكثر تحديدا، فإنها تكمن اليوم في غياب الرؤية والمشروع الوطني المتوافق عليه، والذي يمكن أن يوحد الجميع على أهداف عامة، والذي يمكن له وحده فقط أن يبث الأمل لدى الناس بغد أفضل، وأن يمنيهم بامتلاك القدرة على التأثير في القرار، والمراقبة والمحاسبة للخادم العام، أي السلطات.
المطلوب اليوم، وبالأحرى، المفقود اليوم هو الرؤية الوطنية والمشروع الوطني، اللذان يستوعبان ويصهران طموحات وآمال الناس في بوتقة واحدة، ويمنحان الأمل والأفق بالقدرة على التغيير والتأثير والفعالية الإيجابية، ضمن رؤية موحدة بخطوطها العامة، وعابرة للانتماءات الفرعية والعشائرية والمناطقية والحزبية.
ما ينقصنا اليوم، وما يقلقنا من انفلات العنف المجتمعي والفشل في علاج كل مشاكلنا، ليس عدم القدرة على الحد من البطالة ومعالجة اتساع الفقر وتردي الأوضاع المعيشية، على أهمية كل ذلك، بل غياب الأفق والأمل بتحقق الإصلاح السياسي الحقيقي، لأن الرؤية ما تزال غائبة، والموجود منها مشوه وقاصر، ذلك أنها -ببساطة- من إنتاج تيار مسيطر واحد، لم يعد مهتما إلا بإقصاء باقي التيارات والطموحات والرؤى الوطنية الأخرى!

majed.toba@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نقد بناء وكلام مفيد (احمد عمران)

    الأحد 29 تموز / يوليو 2012.
    انا استفدت من هذا الكلام المفيد كلام منطقي وشكرا الى السيد ماجد توبه