محمد أبو رمان

القرايا والسرايا

تم نشره في الاثنين 23 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

ثمة شيء غير مفهوم في قيام قوات الدرك (قبل يومين) بفض اعتصام للأيتام ومجهولي النسب، بقسوة غير مبرّرة؛ فما قاموا به فعالية سلمية غير مسيّسة، تعبّر عن مطالب إنسانية مشروعة، بلا أي سقوف عالية، ولم يكن هنالك أي سبب مقنع لاستخدام القوة معهم، ما دفعهم إلى طلب اللجوء السياسي لإنجلترا، في حركة إعلامية ذكية!
في اليوم التالي، نقل الأيتام اعتصامهم إلى دوار عبدون، بعد أن عقدوا مؤتمراً صحفياً شرحوا فيه ما تعرّضوا له على الدوار الرابع. وأُسدل الستار على المشهد الأول بتغريدة للأمير علي على "تويتر"، يؤكّد فيها أنّ الملك سيأمر بحل مشكلتهم، فحقّقوا بذلك انتصاراً سياسياً على الحكومة التي تجاهلت تماماً اعتصامهم وقضيتهم، كما فعلت مع غيرهم (ربما تكون حكومة الواق واق هي المعنية بالأمر)!
طيّب، إذا كانت الدولة فشلت –أمنيّاً- في مواجهة هذا الاعتصام لشباب لا يملكون أدوات إعلامية، ولا عمقاً اجتماعياً، ولا "بكّايات" سياسية، فكيف ستفعل مع أحداث الشغب التي تقع على خلفية مطالب خدماتية أساسية، مثل ما حدث بالأمس في مدينة معان، عندما أغلق عمال المياومة في مؤسسة سكة الحديد الطريق المؤدية إلى العقبة، ولم ينهوا الاحتجاج إلاّ بعد وعود من المسؤولين بحل مشكلتهم؟!
يتم الاعتداء على أيتام ومجهولي نسب في اعتصام سلمي وإنساني؛ بينما تجري مفاوضات شاقة لاسترضاء عمال المياومة الذين قطعوا الطريق، فما هو- بالله عليكم- المعيار القانوني أو السياسي الذي تحتكم إليه الدولة في إدارة الأزمة المركبة الراهنة؟ إذ يختفي الوزراء والمسؤولون فجأة عن المشهد، ويتركون المشكلات تتراكم وتكبر وتتضاعف لتصبح أزمات، وتلقي الحكومة بالكرة الملتهبة إلى رجال الأمن والدرك ليتعاملوا معها في الشارع!
سواء استخدمنا الأمن الناعم أم الخشن، فلا يمكن أن ينتج ذلك حلولاً مع مزاج شعبي متمرّد محبط، طالما أنّ الخلل هو في جوهر إدارة الأزمة السياسية في البلاد، بل لن يؤدي الاعتماد على الأمن إلاّ إلى توريطه في احتكاكات وصورة سلبية مع المواطنين والمحتجين. وهو بالفعل ما بدأنا نشهده خلال الأشهر القليلة الماضية، وتحديداً مع جهاز الدرك، الذي أصبح اللجوء إليه أمراً يومياً معتاداً، وهو جهاز يفترض ألا يشتبك مع المواطنين إلاّ عندما تتجاوز الأمور قدرات الأمن العام!
تقودنا هذه المقدّمات إلى ملاحظة مهمة بأنّ منسوب العنف الاجتماعي والجامعي تراجع بصورة ملحوظة خلال العام 2011، وعاد إلى الصعود تدريجياً مع العام 2012، ثم بلغ الذروة خلال الأشهر القليلة السابقة!
صحيح أن جزءاً كبيراً من المطالب والاحتجاجات اليوم هي مطلبية وخدماتية واقتصادية، لكن سبب العنف والاحتجاجات يكمن بصورة أساسية في سوء إدارة الأزمة السياسية، وضعف الحكومات ومؤسسات الدولة، و"تضعضع" شرعية اللعبة السياسية، وفقدان قواعدها التي تحكم الجميع!
بيت القصيد أنّ عودة العنف المجتمعي والجامعي والتوترات الداخلية تزامنت مع شعور المجتمع بتراجع الدولة عن وعودها بإصلاحات جوهرية، مع التخلي عن مخرجات لجنة الحوار، ثم استقالة حكومة عون الخصاونة. وبلغ التوتر ذروته مع حكومة فايز الطراونة التي جاءت بقانون انتخاب يمثّل انقلاباً كاملاً على المشاريع المطروحة.
الطريق إلى المستقبل تكمن في تغيير المناخ السياسي، وإعادة تدوير المزاج الاجتماعي نحو مشروع وطني إصلاحي جامع، وأفق سياسي واضح للجميع. بغير ذلك سنبقى نتخبط بأزمات سياسية طاحنة، طالما أنّ المعسكر البيروقراطي-الأمني لدينا يريد الإبقاء على معادلة سياسية صدئة، ويتعامل مع الإصلاح بوصفه تنازلاً للخصوم لا تجديداً للنظام والدولة والعلاقة مع المجتمع!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل الذي يحدث بسببنا نحن أولا (محمد يوسف)

    الاثنين 23 تموز / يوليو 2012.
    كل الذي يحصل يا اخوان بسببنا نحن اولا و لا نحمل المسؤولين اي مسوؤلية من وجهة نظري فالحكومة لم تأتي من المريخ و انما اتت منا نحن و البرلمان نحن الذين انتخبنا و بالتاي ما نجنيه هو حصائد فكرنا المتخلف و حصائد أعمالنا الرجعية التي تعود بنا الى قبل 1500 سنة ومازالت العشائرية تسيطر على تفكيرنا و حياتنا و واقعنا الذي نعيشه و مادام هذا فكرنا و معطيتنا سنحصل على هذه النتائج هذه لان المعطيات خاطئة و رجعية ستكون النتائج كذلك رجعية اما الحل فهو ان يكون هناك ربيع عربي على انفسنا و مفاهيمنا المتخلفة حتى نغير واقعناو كما (قال تعالى: ان الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)فالعشائرية لا تصلح لزمننا و وواقعنا المعاصر فلكل زمان دولة و رجال
  • »حلقة أخرى في مسلسل الاستقواء على الطرف الاضعف (زيد)

    الاثنين 23 تموز / يوليو 2012.
    إن ما حصل في حق الايتام ما هو إلا حلقة أخرى في مسلسل الاستقواء على الطرف الضعيف. الحلقات السابقة تجلت بوضوح في الطريقة التي تعاملنا بها مع ملفات الفساد و أحداث ملعب القويسمة والعنف الجامعي الخ. وللمفارقة نقرأ اليوم خبر توقف السلطات عن ملاحقة المعتدين على المشروع البحثي للمفاعل النووي في جامعة العلوم والتكنولوجيا. نحن نضرب بقوة الضعيف حين يرتفع صوته مختلفا معنا و نتجنب و نهادن القوي حين يقوم بنفس العمل ولا بأس أيضا أن نحاول استرضاء القوي بمنحه بعض المزايا على أمل الاستمرار بشراء ولائه. ونأتي في نهاية اليوم لنسأل ما الذي حدث للمجتمع وما اسباب كل هذا العنف الذي نشهده. إن الرسالة التي تلتقطها فئات المجتمع أنك يجب أن تكون قويا مهاب الجانب كي تحصل على حقك وأكثر أي "مجتمع كل مين أيدو أله" مما زاد في تعزيز الانتماء الى الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
  • »العزيز خالد الشحام (محمد أبو رمان)

    الاثنين 23 تموز / يوليو 2012.
    أشكرك على التعليق الجميل، والأفكار المتنوعة الواردة فيه.
  • »علاج الصــداع باســتخدام الدرك !! (خالــد الشـــحام)

    الاثنين 23 تموز / يوليو 2012.
    شكرا لك دكتور محمد للمقال الموجز ، اسمح لي بداية أن أقدم اقتراحا لقوات الدرك بعمل اعتصام احتجاجي لإبداء ضجرهم وتذمرهم من كثرة الانهاك والطلب والضغط الواقع على دائرتهم خلال الشهور العصيبة التي نمر بها ، ربما هم الان أحق الفئات بعمل الاضراب والاحتجاج نظرا لتفوق حجم العمل على قيمة المرتب الثابت ، لقد اصبح استحضار قوات الدرك من قبل صانعي القرار مثل استخدام حبات البانادول المسكنة في سهولته وسرعة تناوله كي يعالج حالة عابرة أو طارئة ، لكن المشكلة أنه لا يشفي اسباب الألم الحقيقية وفي نهاية المطاف ستقود كثرة الاستخدام الى امتناع الفاعلية وضعف التأثير المرغوب ...................بداية يجب أن ننظر إلى أن ما حدث مع اعتصام اليتامى ومجهولي النسب على أنه أمر معيب وعار اخلاقي بحق من اتخذ هكذا قرار بفض الاعتصام ثم تم اكمال السيناريو البائس ببناء السور الحديدي العظيم الجديد الذي أنشىء على عجالة تشرح باختصار استراتيجية ادارة الازمات ، بات من الواضح أن اساليب واستراتجيات معالجة الآزمات في الداخل المحلي لدينا تعتمد على مبدأ بسيط لا يحتاج كثيرا من الذكاء للتعرف على معالمه يستند ألى مبدأ - عالج الآزمة بإضافة أخرى إليها - أو في احسن الاحوال أنقل المعركة إلى جبهة جديدة وكأن الساحة خاوية من المشاكل وما يجري ليس كافيا ..........................كامل قطاعات البلد تعاني من اجحاف وانتقاص حقوقي ومظالم مزمنة منذ عقود ، لو تم أجراء أي استبيان نزيه ودقيق لكل فئات المجتمع فسوف نتحسس نقائص حقوقية وشكاوى مدنية واجتماعية عمرها يرتد الى الحكومات الاولى ، بصراحة بات المواطن يتلفت ذات اليمين وذات الشمال ليبحث عن جزئية صغيرة ولو واحدة نجحت الحكومة في معالجتها على مر سنوات طويلة أو مظلمة اجتماعية بادرت فيها اية حكومة سابقة أو لاحقة بارتداء ثوب الشهامة والبطولة واتخذت قرارا بتحقيق العدل واقرار الصواب دون ضغوط أو مطالبات لتوخز عين هذا المجتمع بأنها فعلت شيئا يسجل لها ، لكننا لا نتلمس سوى الفشل المتراكم بل وحتى التفاقم وتضخيم الاحداث والوقائع وخلط الأوراق ببعضها دون اية حرفية ................ طيلة الشهور الماضية ونحن نسمع بموضة الاعتصامات والاحتجاجات والاضرابات ولكننا لم نسمع أي تكملة لباقي القصة وما الذي جرى لمعالجة قضايا تلك الفئات والتي هي لب المجتمع ، من يتظاهرون ويقفون الوقفات الاحتجاجية هنا وهناك على مساحة الاردن المترامية ليسوا عبئا على الشارع كما يدعي البعض وليسوا فارغي البال ويهدفون إلى التسلية والترفيه عن انفسهم بهكذا فعاليات ، هؤلاء أناس سلخت حقوقهم من جلودهم واهملوا لسنوات أزمن فيها شقاء حياتهم وانحطت فيها انسانيتهم وتناستهم الدولة والمجتمع ، أكثر الله خيرهم انهم يتصرفون بطريقة حضارية وسلمية وعقلانية ولا ينبغي لمن هو في مركز المسؤولية أن يفترض أن القوة أو السور الحديدي أو الهجمة الاعلامية كفيل بردع الشرور ومنع الناس من حق المطالبة وحق التظاهر وكأن هؤلاء أعداء للمجتمع .......... جذور الحل تنبت في تربة المعالجة الشاملة لكافة القضايا دون تمييز ودون أن تبدأ المطالبات من جهة أو اخرى ، خلافا لذلك فكل قضية تعالج بهذا الشكل هي برميل بارود ....... كبيرا أم صغيرا فهو ينتظر اشعال الفتيل فقط!!
  • »الحكومه عاجزه والحل يكمن باستقالتها (اردني بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    الاثنين 23 تموز / يوليو 2012.
    وتعيين حكومه على قدر المسؤوليه تنساق للاصلاح وتنساق للوطن والنظام والشعب معا .