محمد أبو رمان

إلى "الضمائر الحيّة" فقط!

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

"من غدٍ سأصطحب ابنتي اللتين تدرسان في جامعة مؤتة، وأقف أحرسهما ومعي بندقيتي. لم أعد آمن عليهما مما يحدث". هكذا صرّح أحد أولياء الأمور، وهو ينتظر –مع بقية الأهالي- بقلق خروج ابنتيه من الجامعة، على إثر مشاجرة عشائرية كبيرة استُخدمت فيها أنواع الأسلحة المختلفة، وأحرقت منشآت الجامعة، وتحول طلبتها إلى عصابات مسلّحة وبلطجية!
لم يكن بوسع رئيس الجامعة ولا عميد شؤون الطلبة إلاّ الاستقالة؛ فماذا يمكن أن يفعلا ضد هذا الطوفان، وضد البيئة التي تحتضن الانهيار العلمي والأخلاقي في جامعاتنا! ولم يكن بوسع أساتذة الجامعة والعاملين في المكتبة إلاّ أن يشكّلوا "سلسلة بشرية" حماية للمكتبة من العبث والإحراق من قِبل "الطلبة" المتخاصمين، وهم يرون دخان الحرائق يخيم فوق الجامعة الكئيبة!
صدى الأحداث على مواقع التواصل الاجتماعي كان هائلاً؛ إذ سادت مشاعر الصدمة والذهول بما وصلت إليه الأمور، بينما تداعى كثيرون (ممن لديهم الحدّ الأدنى من القدرة المالية) إلى إعلان نعي الجامعات، والاستعداد لتدريس الأبناء في الجامعات الغربية!
من يستطيع أن يلومهم على ذلك؟ فلم يعد أحد يأمن على ابنه في جامعاتنا العتيدة، والفوضى والردّة الاجتماعية والأخلاقية والتعليمية لم تترك جامعة؛ فمشهد مؤتة يختلف فقط في مستوى الأسلحة التي استخدمت، وإلاّ فإنّ الجامعات الأخرى، البلقاء التطبيقية والأردنية واليرموك والخاصة، جميعها عاشت ظاهرة الأعراس الوطنية من مشاجرات عشائرية كبرى واستخدام للأسلحة والملثمين وتكسير منشآت الجامعات.. الخ.
الردّة الثقافية والحضارية أصبحت اليوم هي عنوان المشهد الاجتماعي بأسره. بداية الانحدار المرعب كانت منذ التسعينيات، مع قانون الصوت الواحد وتمدّد المقاربة الأمنية إلى مختلف المؤسسات العامة والأكاديمية والجامعات والجوامع.
الأخطر من ذلك هو التوجه الاستراتيجي نحو ما يسمى بـ"أردنة الإدارة العامة"، مما جعل معيار الانتماء الاجتماعي والجغرافي والولاء الكاذب هو الأساس في التعيينات والتنفيعات، بما في ذلك –للأسف الشديد- الجامعات، حتى أصبحنا أمام معضلة حقيقية وورم خبيث يقتلنا ببطء وتزداد آثاره، وأعراضه تصبح أشد خطورة وضرراً وفتكاً!
كُتب في العنف الجامعي أطنان من الأوراق، وعُقدت خلوات ووُضعت استراتيجيات ولقاءات على أعلى المستويات، فلن نعاني ونجتهد في توصيف هذه "المصيبة الوطنية" (التدمير المنهجي للجامعات)، إذ أصبحت مفاتيح الحل معروفة. وليست مبالغة أن نعترف أنّنا بحاجة إلى عَقْدٍ كامل –بأقل تقدير- حتى نعود بالجامعات إلى ما كانت عليه (لا نقول نطوّرها) قبل عقدين!
رحلة العلاج تحتاج إلى مسار طويل، ليس فقط داخل الجامعات، بل وخارجها، وأبرز العناوين الرئيسة الآن يتمثّل بوقفة سياسية حقيقية لإعدام قانون الصوت الواحد، فهو شرط لاستعادة مؤسسة البرلمان وتحرير المجتمع والدولة والأفراد من الوصاية الأمنية.
أمّا داخل الجامعات، فالخطوة الأولى تتمثّل في مجلس إنقاذ مستقل من نخبة الخبراء والكفاءات، مثل د. محمد عدنان البخيت ود. كامل العجلوني ود. محمد أبو قديس، ليقوموا هم بالإشراف على علاجها من المرض الخبيث واستئصاله.
من دون ذلك، فلن ننتظر طويلاً حتى ننعى التعليم العالي في الأردن، ويصبح العلاج مستعصيا! فإذا كان لدى النخبة المحترمة الإصلاحية ضمير حيّ، فلا يجوز أن تبقى تهمس وتتحدث بلغة خجولة، لأنّ ذلك خيانة للأجيال القادمة؛ ارفعوا أصواتكم جميعا؛ المستقبل في خطر كبير!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سوء ادارة على مستوى البلد (اردني)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    سيدي الفاضل اسمح لي بالتحية على امانتك و تنور تفكيرك
    مبدا ربط الوظائف بالمحاصصة و المناطقية و الحقوق المكتسبة او سمها اردنة دون الالتفات لمعايير المهنية و الكفائة في تولي الادارات و الوظائف العامة قادنا الى هذا الوضع المزري في مؤسساتنا يقودنا للفشل وهذا ما يحصل الان فالجامعات و لنا فالتلفزيون الاردني مثال واضح وصارخ في سوء المخرجات و اخشى الاستمرار في هذه السياسة سيقود البلاد باكملها الى فشل كامل لا قدر الله
  • »منظومة تنهار (سامح)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    خدمة الوطن واجب على جميع المواطنين لكن الاردنة حولت الواجب الى "جائزة" تعطى للناس بناء على مكان ولادة الاب والجد وليس بناء على الكفاءة فانهارت منظومة العدل والمساواة، وعندما تنهار منظومة العدل ستنهار خلفها اشياء كثيرة كمن سرق مرة وبرر سرقته فسيسرق مرات كثيرة ثم سيقتل..خلاص كله صار مباح
  • »كبد الحقيقة (اكاديمي)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    كعادتك دوما تصيب كبد الحقيقة في مفالاتك. التعليم العالي في اردننا العزيز يترنح وهو منذ زمن نزبل في غرفة الانعاش.كل ذلك بسبب القيادات الطارئة والتي هبطت بالمظلات. اقتراحك بتشكيل مجلس انقاذ من الشخصيات التي ذكرت يجب أن يؤخذ على محمل الجد.فالشخصيات التي ذكرت قامات أكاديميه لها بصماتها في قطاع التعليم العالي.
  • »قانون فناجين القهوة وتبويس اللّحى (تحسين)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    واللهِ، يا أستاذ، إنّني قلق على مستقبل دراسة أبنائي في الجامعات الأردنية من الآن. أولادي ما زالوا صغاراً، ولكنّني كلما قرأت عمّا يحدث في الجامعات لدينا من "حرورب عشائريّة" أتحسّس رأسي ورأس أطفالي. هل كان "خطأ" فادحاً انشاء جامعات في كلّ محافظة لدينا؟!!! الإصلاح المطلوب الدفاع عنه هو الاصلاح الداعي إلى إعلاء كلمة القضاء: نعم القضاء العادل الصارم في تنفيذ الفانون على الصغير قبل الكبير، لا القضاء الذي يصرّ على أن تذهب جاهة هنا وجاهة هناك وينتهي الأمر بفنجان قهوة وتبويس لحى والسلام عليكم . عندما يعرف كلّ واحد في الأردن أنّ هناك قانون يطبق على كلّ معتدى وبلطجي (كائناً من يكون) وأن قانون الجاهات والعطوات وفناجين القهوة وتبويس اللحى قد ولّى دون رجعة. هنا يتعظ الجميع ويصير الواحد يحسب ألف حساب قبل ما يعتدي على أحد. ولكن كيف يتحققق ذلك، ونواب البرلمان يرفعون المسدسات ويلوّحون بالكنادر والأحذية في وجه الآخرين ؟!!!!
  • »الجزء الثالث من التعليق حول مقال الاخ محمد ابو رمان (عبد الرحمن البيطار)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    (تابع) : لقد تم تفسيخ المجتمع الاردني وتأليب مكوناته بعضها على بعض ، لقد تم تعبئة الشبيبه الناشئه بفكر مشوه ، قاصر ، ناقص ،متحيز ، متعصب ، بمحتوى لا تقدمي وفي أحيان كثيره بفكر تمييزي ، على قدر من العنصريه ، ... لقد تم تفريغ ألعمليه التربويه من محتواها الانساني القومي الوطني التقدمي وتعبئته بمحتوى متخلف ، لا عصري ، لا حداثي ، .. اما النتيجة فهي ما نشهده حاليا في ممارسات أبناءنا الطلبه، وفي ممارسة برلماناتنا (المنتخبة) وحكوماتنا ( الرشيدة) ، و... .
    لابد من انشاء تحالف وطني واسع لإعادة بناء الدوله المدنيه الديمقراطيه في أردننا ، دولة المواطنه ، دولة الحق والقانون ،
  • »حول مقال الاستاذ محمد ابو رمان (عبد الرحمن البيطار)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    الاردن كان في الخمسينات والستينات كان اقرب الى الدوله المدنيه منه خلال العشرين عاما الماضيه . نعم ، لقد تم اعلان الأحكام العرفيه في اواخر الخمسينات والبدء بعملية ارتداد عن النهج الديمقراطي ومحاربة الانتماء للأحزاب، ...الخ ، الا ان الحياه السياسيه بقيت محكومه بصراع نظيف حول الأفكار والمواقف والبرامج والتحالفات ... الخ ، وبقي الصراع پين المواطنين قائما على اساس الانتماءات الحزبيه والمواقف الساسيه
  • »يبدو أن الاوضاع بدأت تأخذ مسارا مختلف وهذا محزن ومؤسف (اردني بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    الخوف كل الخوف من ان قوى الشد العكسي بدأت تتعمد انشاء حاله تبعث على عدم الاستقرار حتى تقضي على الاصلاح والاصلاحيين للابد .
    ان قوى الشد العكسي على ما يبدو ان ضمائرهم في غيبوبه ويجب على اصحاب الضمائر الحيه توعيتهم ومخاطبتهم بطريقه تحاكي ضمائرهم وعقولهم .
    ومن تصريح رئيس الوزراء يوم امس بالتهديد والوعيد هو مؤشر على منحنى خطر وانحراف لا أحد يرغبه .
    على رئيس الوزراء دور مهم في توجيه المسار الى طريقه السلمي بدل ان يسوقه الى تهديد ووعيد , عليه واجب بأن يوجه خطابا ولو واحدا لقوى الشد العكسي بأن تتوقف قليلا عن محاربه الاصلاح والاصلاحيين وهذا ليس معيبا بل فيه الكثير لمصلحه الوطن والمواطنين سواءا كانوا اصلاحيين او قوى شد عكسي .

    وبشكل عام يجب على الجهات الرسميه واصحاب القرار أن يتراجعوا ولو قليلا عن تحديها للاصلاح والاصلاحيين لنسميها ( هدنه ) لحين ترتيب الافكار والخطط التي تصب في مستقبل الوطن والمواطنين وابقاء الربيع الاردني اخضرا.. اخضرا... اخضرا.
  • »أخيرا نسمعها (شعيب)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    كلنا نتجنبها حتى لا نتهم بالمحاصصة والاساءة، مع انها اساس البلاء، وها هو كاتبنا الكبير يقولها دون مواربة فله الشكر لانك عند البحث عن الاسباب يجب ان تكون امينا في قول الحق والا لن تصل الى حل ابدا. كنا في السابق-قبل التسعينات- نسمع ونرى اسماء متنوعة وكلها مشهود لها بالكفاءة، اما الان فتتكرر امامنا اسماء نفس العائلات في كل مكان من رئاسة الوزراء الى اقل مدير لدرجة يعتقد معها المرء ان الاردن مكون من بضع عشرات العائلات فقط وكلها بلا استثناء من لون واحد. هذا خطأ وظلم عظيم ونرى نتائجه في مشاكل لا حصر لهاتصيب الجميع وليس فقط من تم استبعادهم من الساحة. التعددية نعمة اسبغها الله على البلاد المحظوظة لو كنتم تعلمون