علاء الدين أبو زينة

بلا فنّ، بلا مخيّلة

تم نشره في الأحد 24 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

في السبعينيات والثمانينيات، وعينا على ثقافة تتعامل مع الفنّ بازدواجية غريبة. ففي الوقت الذي يستمع فيه الجميع بلا استثناء إلى الأغنيات وينتحرون حتى يمتلكوا جهاز تلفاز لمشاهدة المسلسلات، تراهم أنفسهم ينظرون إلى أهل الفن بنظرة شك وتعالٍ. وفيما عدا البيت، والإطار الضيق المتعاطف، كان الأفضل أن لا تحمل آلة موسيقية على الملأ، لأنّ ذلك كان كفيلاً بإخضاعك إلى تنميط اجتماعي غير محبب. وأتحدث عن سطوة ذلك التنميط من موقع المجرّب المتألم، حين عانيت من الحرج لدى الاضطرار إلى حمل آلة العود التي أعزفها –كهاو- في تلك الفترة. وأعترف بأنني لم أكن معجباً أبداً بالجبن الاجتماعي والازدواجية اللذين انطوى عليهما استسلامي للحرج على ذلك النحو، وأنا المؤمن بأهمية الفنّ وأدواره، والملمّ بنوع التسامي الروحي الذي يصنعه التماهي مع الآلة وترجمة الانفعالات -أياً كان أصلها- إلى شيء كله خير وجمال.
كنتُ أتساءل عنْ مبعث التنميط المغثي للفنّ واعتباره صنعة مقرونة بالعبث، بل وبالفراغ الأخلاقي أحياناً، في حين أنّه في الأصل هبة سماوية لا تُشترى بمال. وفي تلك الأجواء المربكة بالتحديد، تحدّى شباب أردنيون جريئون ورائعون سطوة المحظورات الاجتماعية، وتبعوا بوصلة الموهبة والقلب، فتعلّم البعض عزف الآلات حينَ لم تكن لدينا معاهد للموسيقى؛ وأسس آخرون مسرحاً بالإمكانات الذاتية فقط، وبرعاية محمودة من الجامعة الأردنية في جزء منه. ثم شارك هؤلاء في إنتاج تمثيليات إذاعية بديعة، وبعدها صنع التلفزيون الأردني معهم منجماً للدراما المتميّزة التي تلقفها العرب باحترام.
عندما أتذكر الآن أيّة ظروف تحداها الفنانون الأردنيون الرواد، وكيف عملوا بلا رعاية منتجين ولا مديري أعمال، وبلا شهادات من معاهد تمثيل، وخلقوا هويّة فنية للأردن من العدم تقريباً، فإنه لا يسعني سوى الإطراء عليهم بإخلاص. وفي تلك الفترة، لم تشهد عمّان نشوء "بيفرلي هيلز" يقطنها ممثلون وموسيقيون فاحشو الثراء، وإنّما عاش فنانونا بيننا وفي حوارينا، وأتصوّر أن معظمهم كانوا يمارسون عملاً رئيسياً في التعليم أو غيره لتحصيل رزقهم. وبالنسبة للموسيقيين، أتذكر "قهوة الفنانين"، في أول شارع المصدار، حيث يجتمعون مع آلاتهم في الأمسيات علّ أحداً يطلب خدماتهم، وكأنّ عزف الآلة الموسيقية بسهولة "قزقزة البزر" وبلا قيمة. ويتذكر سكان عمان، مثلاً، المنزل العادي لعازف العود الراحل رامز الزاغة على درج الكلحة!
ثم تباعد الإنتاج الدراميّ وخفت صوت الأغنية الأردنية، وضاقت عليهما المساحة، وعانيا من تجاهُل أهدر جهد الأولين لخلق هوية فنية أردنية متميزة تعبر عن روح البلد. وفي حين تراجعنا نحن، صعدت دول الجوار وقعدنا نحنُ على الرصيف، نستهلك ولا نعطي. وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه أنْ يترافق تطور مجتمعنا مع إعلاء قيمة الفنّ وأدواره، زادت هوة الانفصال بين الناس والفنانين، وساعدت السياسات البعيدة عن التقدمية في تكريس اعتقاد بأن الفنّ لا يعني الناس إلا كشيء كمالي في ظل الظروف المعاشية الصعبة. وفي الواقع، كان ذلك دليلاً آخر على أن الأمور تتراجع. ولو كان لدينا نجاح في إدارة الاقتصاد والسياسة والتربية وتطوير العقل الاجتماعي، لتقدم الفن غير المنفصل بطبعه عن كل ذلك. بل لقد نسيت المؤسسة أن الفنّ استثمار اقتصادي كبير في حدّ ذاته. ولا حصر للقطاعات التي يشغلها الفنّ، من فنانين وفنيين ومهنيين ومساعدين، بالإضافة إلى التسويق السياحي والثقافي والتعريف بهوية البلد وجمالياته، كما تفعل تركيا بشكل متميز في الآونة الأخيرة.
الآن، يعتصم فنانونا ويضيع صوتهم في الزحام. وأظنهم يعانون نفس النوع الرديء من التنميط الجائر والتعالي الجاهل، وكأنهم يتحدثون من كوكب آخر وعن شيء آخر. وفوق ذلك، تفتق ذهن المخطط الاقتصادي عن تصنيف الآلات الموسيقية مع طعام الكلاب والقطط في التفاهة والكمالية، فرفع الضرائب على الآلات لمعاقبة محبي الموسيقى والعازفين. وكان الواجب توزيعها مجاناً في المدارس وعلى الموهوبين. وأزعم بأنّ هذا الازدراء للفنانين وأدواتهم يقول شيئاً قاتماً عن الحاضر والوجهة. إن العقل الذي يفهم الفن على هذا النحو، لا يمكن أن ينطوي على خيال، ولا حسّ بالجمال ولا العاطفة. ولا أحبّ مجرّد التفكير بالقفر الكليّ الذي يأخدنا إليه مثل هؤلاء!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طاش ما طاش (ابو السعود)

    الأحد 24 حزيران / يونيو 2012.
    شكرا للكاتب على ما اثاره , فنحن نعيش التناقض ولا نريد ان نخرج منه , الآن هناك البعض يطلب الغاء مهرجان جرش .
    أود ان اشير الى مشهد في مسلسل طاش ما طاش عندما طلب الأب من ولده احضار " العود للضيوف " قاصدا ما يبعث الرائحه الطيبه , فاحضر ابنه آله العود , أحرج الوالد وكسر العود . لكن من المهم ملاحظه ان المجتمع السعودي المحافظ ايضا , قد اخرج كما هائلا واعدادا كبيره من الفنانين بكل المجالات وهم معروفون في كل العالم العربي ومستوى الحريه في مسلسلاتهم مرتفع , ولا ننسى فنهم التشكيلي وأيضا شباب الأنترنت الذين نشاهدهم على اليوتيوب .فألى متى نظل في مكاننا ومن يسيطر على المشهد ؟
  • »إنّ الكريم لطروب! (ماجدة)

    الأحد 24 حزيران / يونيو 2012.
    يقول الإمام الغزالي" من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج ليس له علاج"
  • »فــــــــــــن الشبهات (wafaa)

    الأحد 24 حزيران / يونيو 2012.
    اشكرك على المقال ...الفن الذي تتكلم عنه في هذا المقال تقصد فيه الفن الراقي الفن البعيد عن الفن المشبوه هذه الأيام
    من وجهة نظري الشخصية ومن خلال روئيتي للكليبات والأفلام....بتوقع انه الاشخاص الي بيدعوا انهم فنانين ما هم الا اشخاص بدون اخلاق وكانوا يمارسون قبل عملهم هذا اعمال غير شريفة مثل "الفنانات "

    الفن مثل العزف على الجيتار او البيانوا او العود...هؤلاء هم الفنانين الي بيتكون شخصيتهم حساسة لدرجة كبيرة وبفضلوا يعبروا عن نفسهم بآلة موسيقية بدلا من الكلام عكس الذي "يمارس الفن "فقط لأجل جمع المــــال ..سلمت يداك
  • »تصريحات احد نواب اللجنة الثقافية في مجلس النواب (ابو قصي الهندي)

    الأحد 24 حزيران / يونيو 2012.
    نائب في لجنة الثقافة في مجلس النواب يبرر لراديو البلد فرض ضريبه على الالات الموسيقية واعتبارها ترفيه للاغنياء بالقول " يعني ابن المفرق بدو يشتري مايسترو ويعزف عليه" - تخيل عزيزي الكاتب هذا المستوى الفكري لنائب في (لجنة الثقافة)؟؟!!
    اشعر بما تعانيه أيها الكاتب المحترم لأنني عانيت منه شخصيا فعندما كان العود يرافقني في بروفات الأصدقاء كان يعلق أحد أباء أصدقائنا (دايما حاملي هالنكرزان وداير) وكنت اضحك لأنه كان يقولها بشكل ظريف وكنا وقتها بعمر ما تحت العشرين. وشكلنا فرقة موسيقية تغني لفلسطين وشاركنا بمهرجانات في الاردن والعراق والمانيا - وكان أبي حاله حال أبناء جيله يعتقد بأن الموسيقى منكرا وضياع للوقت وكسر لي اكثر من آلة موسيقية وكنت عنيدا جدا فأحضر بدلا منها من احد الطلاب الذين كنت ادرسهم برغم عدم دراستي الأكاديمية. واحيانا اوفر كل قرش لاشتري عود او اورغ - وكنا سعيدين جدا بما نفعل وربما كانت اجمل لحظات العمر نستذكرها احيانا وبعد 25 عاما - وكنا فخورين بأننا نعمل ما نحب وبدون اجر. التقينا مؤخرا على السكايب ولم نتمالك أنفاسنا من الضحك فاشكالنا تغيرت وكل منا مازال يعتقد أن صورة الصديق الصغير مازالت نفسها.