د.أحمد جميل عزم

تنظير في زمن المذبحة

تم نشره في الاثنين 18 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

تلقيت تعليقات غاضبة على مقالتي المنشورة في "الغد" يوم الخميس الماضي "المنتنة الجديدة"، والتي تناولت تطور الحروب الطائفية والأهلية، وحزب الله وتجربته.
أحد الردود الجامعة، ذكر أن المقالة تنطوي على الكثير من النظريات والتحليل، وقليل جداً من الحلول، وأنّ اقتراح مطالبة القوى والجماعات الإسلامية والعلمانية "دفع" حزب الله إلى احترام تاريخه، والتراجع عن مواقفه الطائفية في التعامل مع الموضوع السوري، غير ممكن، كون الحزب نفسه قائما على الطائفية. ويرى التعليق أنّ انجراف الجمهور العربي (نحو الطائفية) "قد يكون ردة فعل طبيعية". وجاء في ردي على التعليق أنّ الطبيب عندما يقوم بالتشخيص يقيس الضغط والحرارة، ويجري فحوصات عديدة قبل أن يوصي بالجراحة، حتى وإن كانت الحالة حرجة، وعلى المختص في السياسة إجراء التشخيص التام أيضاً، ومراجعة القواعد العلمية التي استنبطها من التجارب المماثلة. ولا يمكن نسيان الحرب الأهلية اللبنانية (16 عاما) ومئات المجازر والمجازر المضادة، والتي تتحدث التقديرات المتواضعة بشأنها عن 100 ألف قتيل، وربع مليون مهاجر. وموت نحو ربع مليون، و3 ملايين لاجئ ونازح في تجربة البوسنة والهرسك (1992-1995)، ومجازر وحروب أهلية أخرى شبيهة. وأنّ الخطاب الطائفي يقودنا إلى هذه التجارب، فكيف نتجاوزها؟
إذا ما تمكنتَ من فك الارتباط بين حزب الله والنظام السوري، فقد حققتَ نصرا، وأوجعت النظام. وإذا ذهبت قوى عربية وفشلت في دفع الحزب إلى احترام الضمير الإنساني وتاريخه التحرري، فقد حُسِم أمر الحزب، ورضي أن يكون منبوذا من القوى الأخرى، معلناً الاصطفاف الرسمي طائفيّا. وسيكون لذلك آثار مهمة على صعيد مجمل الفكر والأيديولوجيا في المنطقة.
حتى أُسلّم بمقولة أنّ العلويين يقتلون السنّة، فإنّ عليّ التسليم أنّ السنة هم من فجّر كنائس بغداد، وحرق كنائس مصر. قُتل يوم الأربعاء الماضي، وبحسب الصحف، "72 شخصاً على الأقل، وأصيب أكثر من 250 بجروح، في سلسلة هجمات استهدفت في أغلبها مناطق شيعية" في العراق، وجاء أنّ الهجمات "وقعت بشكل متزامن وعددها 42 تفجيرا، باستخدام 18 عبوة ناسفة، و198 سيارة مفخخة، وست هجمات مسلحة". أليست هذه هجمات طائفية أيضاً، لماذا لا تُبكينا دماء هؤلاء، وكل هذا الكمّ من العنف الطائفي؟!
استغلال النظام السوري نفرا من العلويين، كبر أم صغر، أمر رأيناه في البلقان والعراق ولبنان وغيرها، حيث تلعب النخب على الغرائز، وتحرك مجرمين ومنحرفين ومضللين باسم الدين والطائفة.
أخطر ما يمكن أن يحدث الآن، هو الانجرار إلى خطاب الكراهية الطائفية، الذي سينتقل حتما إلى عنف وعصابات تتحرك على الأرض باسم الطوائف.
أمّا عن الحل، فالدول العربية (الحكومات) إمّا موغلة بالطائفية، أو مشغولة بهمومها الداخلية. والأحزاب والحركات الشعبية العربية غائبة. وأكبر تنظيم عربي، الإخوان المسلمون، متردد ومرتبك، مشتت بين أن يعلن أنه لن يرشح نفسه للانتخابات، ثم يعود فيترشح؛ وبات يجد نفسه في موقع المهاجَم من قوى شتى لا يجمعها إطار، ولكنها موجودة ومؤثرة. والأحزاب مجتمعة ومعها الجماهير مشتتة، وبلا رؤى واضحة.
رغم ذلك، إذا أردنا التفكير إيجابيا، فعلى التحرك الشعبي العربي أن يخرج من إطار إدانة نظام الحكم في سورية، إلى الضغط على قياداته الرسمية والشعبية، للتحرك بمختلف أنواع التحرك لوقف النزيف؛ بمخاطبة ومحاصرة حلفاء النظام السوري، وربما يكون آخر الدواء تدخلٌ عسكري عربي.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق