نادر رنتيسي

"أوكتان 85"!

تم نشره في الأحد 17 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

حبيبتي كان بيننا موعد مبرمج قبل أشهر عند الثالثة عصر هذا اليوم؛ اعتبريه "في حُكم الملغى"، أنتِ في حلٍّ من التزامكِ، وأنا لم أعد ملتزما بشيء نحوكِ. يمكنكِ الاستعاضة عني برجل آخر. لا غضاضة في ذلك فالرفاقُ يصفونني بأنني رجلٌ تقدمي؛ حتى لو كنتُ عاجزا عن التقدُّم خطوة واحدة نحوكِ!
كان بيننا موعد لما كنتُ رجلا أمتلكُ قراري في الذهاب إليكِ أو الخروج منكِ، وأستطيع بمكالمة رخيصة ضمن تسعيرة "الدقيقة الأولى" أنْ أغيِّرَ مجرى طريقي من البيت إلى عينيكِ، بدون حسابٍ لكلفة المسير المُسعَّرِ بـ "تنكة" من البنزين النخبويَِّ "أوكتان 95"!
كنا يا حبيبتي نمشي بواسطة السيارة الحديثة "في طريق مُقْمِر"؛ صحيحٌ أنَّ القمر لم يكتمل يوماً إلى درجة البدر، فكانت الرؤيا دائما غير واضحة في اللحظات التي تضطر فيها "الحكومة" لإطفاء الإنارة على الطرق الخارجية لتوفير طاقة أجهلها، لكن الفرحة كانت تثب فبه قبلنا، ما يدفعنا لمزيد من العدو الذي أتاح لنا أنْ نسبق ظلنا..؛ وهو الشيءُ الوحيد الذي تركناه وراءنا!
الآن لم يعد أمامنا، يا حبيبتي، سوى "أطلال" سيارة حديثة جداً مرهونة بقرض "مُيَسَّرٍ" على حياة طويلة ظنَّت موظفة البنك الحسناء قليلا أنني سأعيشها. تقفُ السيارة أمام البيت كـ"الحصان الذي تركه الشاعر وحيدا"؛ فرسٌ حرون حاولتُ إقناعَها بتقبُّل رائحة "البنزين الشعبي"، صاحب الرقم الأنيق "أوكتان 90"، وحدث أنْ قبِلتْ فأصدرت دخانا كلفني مخالفة تغاضى رقيبُ السير بسبب ارتفاع قيمتها عن "فعل خادش للحياء على الطريق العام" لم أرتكبه!
حبيبتي. أرسلتِ لي قبل أيام رسائل عديدة بمختلف وسائل الاتصال بيننا، تؤكدين فيها موعدنا. كان لديكِ إحساسٌ أنني سأتراجع عنه، لإحساس آخر أقوى لديكِ أنَّ "الحكومة" لن تتراجع عن رفع سعر "أوكتان 90". وجرت مفاوضات بيننا: من يأتي إلى الآخر. وحاولنا إيجاد نقطة وسطى لنتقاسم الكلفة بيننا. لن نصل يا حبيبتي إلى حل، لذلك اقترحتُ أنْ نطيلَ فترة الشوق، حكومَةً أخرى على الأقل!
موعدنا "بكرة" إذاً، وهو بالضرورة سيتأخَّرُ، ويتأخر كثيراً؛ فللحبِّ أيضا أمعاءٌ تحتكُّ ببعضها عند الجوع، وتصدر أصواتا تؤشر على اقتراب انهيار قدرة التحمل؛ ما يعني أنَّني لن أستطيع المشي إليكِ، لذلك أرسلتُ لكِ تلك الرسالة الضوئية المقتضبة:"حبيبتي طريقنا طويل، ومشوار الألف ميل لم يعد يبدأ بخطوة..، إنَّه الآن على بعد ألف ميل تماما"!!
"تعا ولا تيجي" هكذا سنتورَّطُ في الحبِّ عن بُعد: "أوكتان 95" و"أوكتان 90". ومن الواضح أنَّ بيننا فارقا طبقيا ليس لمصلحة أحد منَّا؛ فسيارتي استدعَتْها موظفة البنك الحسناء قليلا، وسيارتكِ توقفتْ على الإشارة عندما كانت خضراء ولأنكِ تركتِها، وعطلت السير المتعطل أصلا، فقد تحتفظتْ عليها "الحكومة"، وأقرَّت أنها ستعيدها لكِ "حين ميسرة"!
وإلى ذلك الحين قد يتمُّ الإعلان عن "أوكتان" يحملُ رقما 85"، كحلٍّ حكومي مؤقت، يشبه ذلك الذي قدَّمته الحكومة المصرية للسيارات الروسية الثقيلة المُتْعَبَةِ في الأرياف. سيكونُ "أوكتان 85" في بيان "حكومة ما":"حلا سحريا"، و"حبيب الشعب"، و"الذي يأتي متأخِّرأ خيرٌ من ألا يأتي أبدا"، "والقدم القصيرة تحت اللحاف القصير"؛ وهو حين تتحدث حكومة مقبلة ما عن ضرورة اتخاذ قرارات غير شعبية، سيكونُ "آخر الرجال المحترمين"!
قد نلتقي يا حبيبتي في موعد جديد، في منطقة وسطى بين قدرات "أوكتان 80" و"أوكتان 75"، ومن الطبيعي أن يسفر اللقاء عن زواج، ثمَّ أولاد يولودون في المستقبل على وقع صوت "عربات الكارو" و"السيارات البخارية"!

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اوكتان 15 (مواطن مقهور)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    ولو في أوكتان 15 راح ترفع الحكومة سعره
  • »صورة ساخرة ومؤلمة (غدير)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    كما غنت فيروز "موعدنا بكره شو تـأخر بكره" كلماتك التي تبعثرت بين الحب والحكومة جعلت لواقعنا صورة مؤلمة وحزينة..جميل هذا التداخل والأجمل السخرية المؤلمة التي اصبحنا نتحدث فيها عن معاناتنا بهذا الطريقة..لكَ الاحترام وللأوكتان 85 التقدير...
  • »موعدنا بكره (رياض البشايره)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    موعدنا بكره .وشو تأخر بكره.....قولك راح نتلاقى يارنتيسي ؟؟؟والله ماظنيــــت
  • »صباح الابداع (لميس احمد)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    نادر...صباحتك مواعيد تتحقق...صباح الخيرات والابداع ...رائعه ..بليغ التعبير ...ابداع دائم ...
  • »تعا ولا تيجي (هدى ابو شقرا)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    "تعا ولا تيجي" هكاذا سنتورَّطُ في الحبِّ عن بُعد:"أوكتان 95" و"أوكتان 90". ومن الواضح أنَّ بيننا فارقُ طبقي ليس لمصلحة أحد منَّا، فسيارتي استدعَتْها موظفة البنك الحسناء قليلا، وسيارتكِ توقفتْ على الإشارة عندما كانت خضراء ولأنكِ تركتها، وعطلت السير المتعطل أصلا، فقد تحتفظت بها "الحكومة" وأقرت أنها ستعيدها لكِ "حين ميسرة"!
  • »مجرد ملاحظة (مروان سلامة)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    مين قال لك انه الشعب متاثر برفع اسعار البنزين .. هل لاحظت ان ازمة المرور خفت وانه مشاوير الناس اقترصت على الضروروي كنوع من الاحتججاج.. ابدا المواطن الاردني هو الوحيد الذي يقبل على الاشياء التي يرتفع سعرها
  • »اغنية ساخرة (رولا طه)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    الله عليك استاذ نادر جعلت من قضية سياسية واقتصادية موضوع عاطفي واعطيته ابعاد من لغتك السهلة الممتعة .. جميل جدا هذا التشابك كانك كتبت اغنية ساخرة عن واقع ساخر
  • »تعبير ذكي (لينا الأسدي)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    لذلك اقترحت أ، نطيل فترة الشوق .. حكومة أخرى على الأقلََ!! تعبير ذكي رنتيسي ..
  • »ابداع (عدي علاوي)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    ابداع بكل معنى الكلمة يا استاذ نادر