د.أحمد جميل عزم

نهاية الجغرافيا وبداية القبيلة

تم نشره في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

يخرج الطالب العربي في مدينة بريطانية من بيته صباحا، يسحب تكاليف معيشته اليومية من جهاز الصراف الآلي في البنك. يدخل المكتبة ببطاقة إلكترونية، يقرأ مواقع الإنترنت والصحف العربية، يستعير الكتب ويصوّرها بواسطة آلات يديرها بنفسه، يصلي في المسجد. وقد يذهب إلى المتجر لشراء احتياجاته ببطاقة ائتمان على جهاز دفع ذاتي دون المرور على مُحاسب (كاشير). يعود للمنزل، يتناول طعامه العربي، ويشاهد محطات تلفزة عربية، ويتواصل مع أصدقائه القدامى عبر "سكايب" و"ماسنجر". وينحصر تواصله بالإنجليزية مع محيطه الجغرافي في حدوده الدنيا.
كنتُ أتذكر هذا الطالب وسفره المنقوص، الذي لا يتضمن اطّلاعا أو تفاعلا مع ثقافة جديدة، كلما سمعت هجوماً على العولمة من مفكرينا وإعلاميينا وسياسيينا، باعتبارها قوة خارجية تغزو الهويّات القومية والوطنية والدينية، وتذوّبها لصالح "الأمركة" والتغريب.
رأى فلاسفة من الولايات المتحدة في نشر "القيم الأميركية" حول العالم ضمانة للأمن القومي الأميركي، وأبرز هؤلاء "المحافظون الجدد". ولكنهم لم يلجأوا إلى القوة الناعمة للعولمة، بل استخدموا المدفعيّة وحاملة الطائرات في العراق، وتاه بعضهم بين القوتين الناعمة والخشنة، مثل فرانسيس فوكوياما. وفشل جورج بوش حين حاول استخدام القوة الناعمة، ولم يتقن الأميركيون إدارة مجلة "هاي"، وتلفزيون "الحرة"، كما أتقنوا القصف.
رأى بعض المفكرين في العولمة فرصة الأفراد لتجاوز طغيان الحكومات والجغرافيا، ومن هؤلاء توماس فريدمان في كتابه "عالم مسطح". حيث تُوجد العولمة والاتصالات فرصا هائلة للأفراد؛ كهندي يعمل من مدينة بانغلور، الحاضنة لمجتمع التكنولوجيا في الهند، موظفاً لتلقي طلبات التوصيل في "ماكدونالدز" في نيويورك، أو لصيني من بكين يعمل في شركة طيران يابانية (ومصري في القاهرة يرد على اتصالات زبائن لشركة في الإمارات). لكن العولمة تقضي على الحداثة، وتعيد الطائفة والقبيلة. لقد قامت الدولة الحديثة بإنشاء سلطة مركزية، ووسائل اتصال جماهيري تتضمن محطات تلفزيون وصحفا قليلة رسمية أو شبه رسمية ومناهج تدريس، صنعت مجتمعة الهوية في الدولة الحديثة.
في بداية ثورة الإعلام الفضائي، كانت هناك قنوات عربية جامعة، محدودة العدد، تتحدى التلفزيون المحلي، فقللت "إم. بي. سي" سعوديتها، وتراجع نُفوذ حزب "القوات اللبنانية" الطائفي على "إل. بي. سي" بهدف جلب أكبر جمهور عربي ممكن.
والآن، أصبح للقبيلة، والنادي، والطائفة، فضائياتها، ومواقع إنترنت، ومنتديات، وصفحات "فيسبوك".
انتهى عصر الإعلام الجماهيري، وأصبح الطالب في ألمانيا على اتصال بطائفته، وجماعته، وقبيلته. وداخل كل شقة في مبنى بمدينة عربية، شبكة اتصالات وإعلام، مرتبطة بجماعات فرعية، تختلف عن الشقق الأخرى. فتباينت طرق التفكير، والاهتمامات، وعمليات التعبئة. كما أنّ الجامعات التي كانت محدودة العدد تجمع أبناء الوطن وتمزجهم، تكاثرت وأصبح في كل منطقة جامعة لأبنائها، وانتهى التجنيد الإلزامي في الجيش، الذي كان وسيلة صهر أخرى.
يرى المفكر الأميركي جون سبيزيتو، وهو من المتفائلين بالهوية العالمية، أنّ الارتداد للهويات الفرعية أمر متوقع ومؤقت في كل مرحلة تاريخية فيها انتقال إنساني كبير، وذلك خوفاً من القادم. ونضيف إلى هذا طبعا انهيار الاتحاد السوفيتي بما أصاب ذلك من نكسة للأيديولوجيا عموماً.
رأى البعض، وأشهرهم فرانسيس فوكوياما، أنّ نهاية التاريخ جاءت بنصر ليبرالي نهائي. وفي السياق، برزت الخصخصة دون ليبرالية سياسية حقيقية، فكانت بوابة فساد وبيع للدولة، ما أضعف الدولة الرعوية التي تقدّم الخدمات والأمن، وكانت رب العمل الأكبر.
تحول ضابط الأمن السابق إلى رجل أعمال، لديه شركة أمن أو مقاولات أو غيرها، ويخوض انتخابات البرلمان. وفي عصر الانتخابات دون قوانين ومناخات ديمقراطية حقيقية، تشكلت أحزاب يؤسسها رجال الأعمال الجدد، المتحالفون مع السياسيين الذين يوظفون أبناء قبيلتهم ومنطقتهم ليحصلوا على أصواتهم. كما ذهب الطبيب القديم، والمهندس والصبي اليافع معا لدراسة دينية في المرجعيّات، بحثاً عن "عمامة" تمنحهم المكانة الاجتماعية، والسياسية، والإمكانات المالية.
لم تؤد الحرب الأميركية في العراق، والعولمة، إلى تغريب و"أمركة" بقدر ما أدت إلى تشظي الهويات والعودة إلى زمن الطائفة، والقبيلة التي عادت كما كانت قبل الدولة الحديثة مصدراً للمكانة السياسية، والأمن الشخصي، ومصدراً لفرص العمل والحراك الاجتماعي، ومعيارا للتخندق.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشعب الفلسطيني خارج الجغرافيا!!! (عصام عبدالرزاق الاحمر)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    أربعة وستون عاما مضت والشعب "العربي الفلسطيني" يعيش فى المنفى.في انحاء المعمورة , حتى لو رفعت حجرا لوجدت تحته فلسطينيا.تغرب وتزوج وعمل وبنى "وقاتل "ولا يزال " حلم العودة" حاضرا في الجيل الثاني " الاحفاد" كأنما هجر اليوم. لم تستطع العولمة وتكنولوجيتها أن توقف هذا الحلم لأنه مزروع في الوجدان. لقد أختصر العالم"الجغرافيا"بمفتاح وكوشان أرض وسوف يعودون.