المُنتنة الجديدة

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

جازفتُ قبل سنوات وانتقدت حزب الله وهو في ذروة شعبيته؛ انتقاداً نابعاً من خيبة التوقعات، وعتباً -إن جاز التعبير- نابعاً من إعجاب ومحبة. فاجأني حينها أنّ الحزب بعد انتصاره التاريخي على إسرائيل لم يقدّم خطة وحدويّة؛ وانحصرت عضويته وأيديولوجيته بالطائفة الشيعية، وعكست تحالفاته براغماتية تقليدية، منها التحالف مع ميشال عون. وبالتالي، عدم لعب دور في إصلاح البنية الاجتماعية والسياسية في لبنان والمنطقة. ولا يبلغ هذا الانتقاد بالتأكيد درجة إدانة السلوك الإجرامي والخائن لبعض خصوم الحزب، مثل "القاعدة" والقوات اللبنانية.
ينجرف عدد هائل من الجمهور العربي الآن لتبني منظور طائفي إزاء أحداث سورية، ونحو حزب الله، بذريعة أنّ مذابح سورية تعكس فرزاً طائفيّا، وأنّ أسباب تباين موقف الحزب بين سورية والبحرين طائفية. ولم يعد مستبعدا أن نرى قريبا من يؤيد العنف الأعمى ضد "العلويين"، باعتباره انتقاماً مبرراً، رغم أنّ بعض أصحاب هذه النظرة علمانيون، وبعضهم كان يرفض سابقا مجرد انتقاد حزب الله.
لفهم ما يحدث، لا بد من إدراك تغير طبيعة الصراعات والحروب.
بنت ماري كالدور كتابها "الحروب الجديدة والقديمة"، المنشور في العام 1999، بالدرجة الأولى على أحداث البلقان، وعرضت فيه مجموعة من الأفكار التي يمكن الاستناد إليها في هذا السياق.
بنيت السياسية في زمن الحرب الباردة، وهي أيضاً مرحلة التحرر من الاستعمار وبناء الدولة في كثير من أماكن العالم، على الأيديولوجيات والأفكار المفتوحة ليتبناها الجميع، لأنها لا تعتمد على هويّة موروثة بحكم المولد؛ وكان الخطاب القومي، وبناء الدولة الحديثة، جامعاً.
بانتهاء الحرب الباردة توارت الأيديولوجيا، وتحولت أنظمة ثورية لطبقات حكم سقطت شرعيتها تدريجيّاً وتباعاً، بفشلها في تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية، وبتحولها إلى زُمَر عائلية حاكمة. فلجأت للحفاظ على سلطتها إلى تبني "سياسة الهوية"، فيكون الحكم والحاشية من طائفة أو قبيلة بعينها، وتضطّهد فئات أخرى وتتهمها بالعمالة. حدث هذا في عراق صدّام، ويمن علي عبدالله صالح، وسورية الأسد، وغيرهم. وتزعم هذه الطبقات علنا رفض الخطاب الفئوي، ولكن بنيتها وتشكيلاتها تقوم على جماعات ذات هوية فرعية. ومع حالات الفساد والفشل الاقتصادي ينشأ اقتصاد موازٍ لنخب متحالفة مع النظام، ويصبح لها "أزلامها".
يستفز هذا مواطنين، وهويات فرعيّة مضادة، تكون أحزابها وأطرها الخاصّة. وتختلط عوامل خارجية وداخلية، ومعطيات عصر العولمة، لرسم المشهد.
تنشأ ظاهرة المعارضين في الشتات الذين يخططون لتحرير بلدانهم من مقاهي لندن وباريس، مستفيدين من الفضائيات ووسائل الاتصال الجديدة في خوض حربٍ افتراضية وإعلامية، وينقلون الأموال والإمكانات بطرق مختلفة.
تدعم دولٌ طوائفَ وجماعاتٍ وتقوّيها لتكون دعامة وامتدادا لها، وتلجأ لها طوائف للحماية والدعم، كما في حالة إيران، أو حالة دول استعمارية كما فعلت أميركا في العراق من دعم للطوائف المضادة للنظام.
تستحضر النُخَب المتصارعة ذكريات مريرة وتضخمها لحشد المؤيدين. وتقوم الحروب الجديدة على بث "الخوف والكراهية" بدل "كسب القلوب والعقول" التي كانت تقوم عليها الحروب الثورية. وقد تُحاوِل أنظمة وجماعات التخلص من كل من يحمل هوية مختلفة، بالطرد، والإبادة، وبحروب نفسية واقتصادية مختلفة.
وتتم "خصخصة" العنف؛ فتعتمد الدولة أو الجماعات السياسية على عصابات وأنصار (شبيحة، وبلطجية، وزعران)، وتظهر مجموعات شبابية مغامرة، تمارس العنف والخطف والقتل.. إلخ. ويتبنى النظام، وربما المنشقون، هذه المجموعات التي ما تلبث أن تستقل، وقد تمارس نشاطات إجرامية منظمة؛ من تهريب، ومخدرات، واتجار بالبشر وبثروات البلاد من نفط، ومعادن، وسوق سوداء. وتنتشر حالات قتل واغتصاب تحت تأثير المخدرات والكحول، وتقع مجازر متبادلة.  تظهر قوات نظامية منشقة عن النظام، قد تتقاتل بينها أيضاً، وقد ينشق المنشقون عن بعضهم.
ومن سمات الصراعات الجديدة، وجود الصحافة العالمية، والمرتزقة، والمستشارون العسكريون، والجمعيات غير الحكومية العالمية، وهيئات حقوق الإنسان، وقوات حفظ السلام. ليس الحل بالانزلاق الطائفي، بل بالبحث عن الإنقاذ، كمحاولة قوى وجماعات سياسية إسلامية وعلمانية، مجددا دفع حزب الله إلى احترام تاريخه، وتبني موقفٍ مختلف مما يحدث في سورية، وأن تطرح هذه القوى تفكيرا جديّا وجذريّا، وتخاطب الجماهير، للتراجع عن حروب الهويات الفرعية ونبذ من يتبناها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حزب الله...سوريا وايران ماهي العلاقة؟؟ (ابو رائد الصيراوي)

    الخميس 14 حزيران / يونيو 2012.
    لم يعد خافيا على احد ان حزب الله الذي ركع الصهاينة بحرب 2006 وخلق حالة الردع والرعب المقابل مع دولة الصهاينة وتحالفه مع ايران لم يكن مبنيا على الحالة الطائفية مائة بالمائة بل نتيجة تقاطع مصالح لحزب وطائفة لبنانية مهمشة ارادت ان تحرر ارضها المغتصبة وتثبت لبقية الطوائف اللبنانية ان لها حضور في لبنان وانها تستحق ان تعامل باحترام كونها الوحيدة التي استطاعت ان تحرر ارض لبنان, وتحالفها مع ايران كان بديهي لحزب لم يجد حليفا عربيا اخر يمده بالسلاح الذي يريد ويحتاج, وكانت ايران جاهزة للقيام بتلك المهمة لاسبابها الخاصة فعندما قررت ايران ان تذهب الى خياراتها النووية وبناء برنامج نووي يضمن لها السيطرة على المنطقة او على الاقل حماية نفسها من تغيرات الزمن ادركت ومنذ البداية ان برنامجها النووي سوف يستهدف من اسرائيل وحلفائها ولذلك كان من المهم لايران ان تجد حلفاء قريبون من حدود فلسطين المغتصبة وخلق ( مدبرة)تهدد بصواريخها كل المواقع الصهيونية فيما لو تجرأت اسرائيل على شن حربها ضد المشروع النووي الايراني , فلذلك كان تقاطع المصالح بين حزب الله وايران استفاد منه الطرفان بشكل فعال كما اثبتت الايام, اما لماذا كل اعضاء حزب الله شيعة فهذا بديهي لحزب طائفي لبناني مهمش محليا يريد ان يثبت حقوقة ومركزه المحلي في لبنان, والذين يتهمون حزب الله جراء وقوفه مع النظام السوري فأن خيارات حزب الله معدومة في ذلك الشأن فأن النظام السوري هو الضامن الوحيد لتدفق السلاح الايراني لحزب الله كون سوريا هي المنفذ الوحيد لتأمين وصول ذلك السلاح , ولقد بذلت ايران اموال كبيرة لشراء ذلك المنفذ فالعلاقة السورية الايرانية هي علاقة تجارية بالمقام الاول تم ترتيبها فقط من اجل وصول السلاح لحزب الله وغير ذلك كلام غير ذو اهمية بالنسبة لايران او حزب الله. ومن غير المتوقع من حزب الله ان يدين ما يقوم به النظام السوري ضد شعبه وان كان لا يتوافق معه بذلك الشأن فحزب الله يهمه ان يبقى ذلك المنفذ الوحيد سالكا , ويعلم جيدا ان سد ذلك المنفذ سيجلب الدمار للحزب , ويعلم ايضا ان اسرائيل وحلفائها يسعون الى سد ذلك المنفذ بشتى الطرق ولا يستبعد ان يكون ما يحدث في سوريا هو من صنيعهم بعد ان فشلت الطرق الاخرى مع سوريا لاغلاق ذلك المنفذ المهم لحزب الله وايران, فاسرائيل تؤجل ضربها لمشروع ايران النووي طالما ان حزب الله الذي ساعدته ايران بتحرير ارضة وتثبيت موقعه على الساحة اللبنانية والذي سيبادر الى رد المعروف لايران بفتح نار جهنم على اسرائيل في حال تعرض برنامج ايران النووي لهجوم اسرائيلي امريكي.
  • »الشعب السوري بين المطرقة والسندان (عصام عبدالرزاق الاحمر)

    الخميس 14 حزيران / يونيو 2012.
    لا انكر انني أتعاطف مع حزب الله ومع فضائيته الاعلامية "المنار" لا من منظار مذهبي "وأنا السني" وأمقت هذا التفريق.عندما يتحول" المنبوذون في الارض "الى قوة تزيل الأحتلال الاسرائيلي بقوة السلاح عام 2000 باذلال للجيش لا يقهر. ودفن مشروع شرق أوسط جديد تموز عام 2006. ان الشعب السوري يقع بين مطرقة الولايات المتحدة والسندان الروسي فلنخرج من شرنقة الصراع المذهبي المخطط له .. فلنتعظ ما حل بالعراق.
  • »الهدف تدمبر سوريا وإنهاء القضية الفلسطينية (عاصم الشهابي)

    الخميس 14 حزيران / يونيو 2012.
    تشير الأحداث المأسوية التي تحدث حاليا في سوريا وبغض النظر عن المسؤول عنها أو مسببها الى خطة شريرية تعمل على تدمير الدولة والشعب السوري حسب نظرية المؤرخ البريطاني- الأمريكي الصهيوني برنارد لويس الذي يدعو الغرب علانية الى تحويل البلدان العربية الى بلدان الطوائف الدينية والعرقية، لأنه فقط بذلك تستطيع إسرائيل العيش والسيطرة على العرب وإنهاء حلم أقامة دولة فلسطينية على ما تبقى من التراب الفلسطيني. والسؤال، متى سيفهم أصحاب القرار العرب ما يخطط لشعوبهم من مصير أسود حاك الظلام.