د.أحمد جميل عزم

دورا القرع والاستيطان: الفضيحة والانتصار

تم نشره في الاثنين 11 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

ربما، وهذا ليس أكيدا، وقف رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ضد مشروع قانون يتعلق بالاستيطان، لأنّ وقاحة وعنصرية هذا القانون فاقت أي حد؛ إذ يُسمح بموجبه لأي يهودي بأن يبني بقرار ذاتي على أي أراض يمتلكها أي فلسطيني، ثم تعوضه إسرائيل. وبالطبع، يرفض الفلسطينيون البيع والتعويض، فيحصل من شاء من اليهود على أرض مجانية. ويأتي القانون ردا على قرار قضائي إسرائيلي بهدم خمسة مبانٍ، تضم 30 شقة، بُنيت على أراضي قرية دورا القرع، شمال رام الله في الضفة الغربية، وسميت "بؤرة أولبانا الاستيطانية".
كل ما يعنيه القانون أن المقاولين والمستوطنين يريدون بدل الطريقة التقليدية للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين بإعلانها منطقة عسكرية أو خضراء من قبل الجيش الصهيوني، ثم البناء عليها؛ يريدون أن يقوموا بالمصادرة بأنفسهم. والموضوع في جزء منه تعبير عن اعتقاد المستوطنين أنهم أكبر وأهم من دولتهم. ويبرر نتنياهو موقفه بضرورة احترام دولة القانون والقضاء.
يعد شخص مثل بيني بيغن، الوزير بلا حقيبة في الحكومة الصهيونية، ونجل رئيس الوزراء الصهيوني مناحيم بيغن، أحد أكثر الوجوه تشددا في إسرائيل. ولكنه وجد من يزاود عليه، بسبب رفضه القانون، كعضو الكنيست عن حزب الاتحاد القومي ياكوف كاتز، الذي خاطبه في اجتماع رسمي قائلا: "أنت تحطم أرواح الشباب، تتصرف بفظاظة، شرير، كما لو كنت من سدوم (بلد قوم لوط ويقصد أعداء إسرائيل)".
آخرون شاركوا كاتز هجومه، مثل عضو الكنيست ميري ريغيف، التي انضمت لليكود العام 2008 بعد أن كانت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، وتولت الدفاع عن عملية الانسحاب من غزة. وزئيف الكين، الذي انشق مع آرائيل شارون عن الليكود، تأييدا لخطة الانفصال من طرف واحد عن الضفة الغربية حينها.
أمّا وزير الخارجية، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، الذي صرح يوماً أنه مستعد لترك بيته في مستوطنة بالضفة الغربية في إطار حل الدولتين، شرط طرد العرب من فلسطين 48، والذي يرفض فعليا أي عملية سلام، في تناقض مع طروحاته، وهو مرشح لترك منصبه قريبا جدا، بسبب اتهامات جنائية بالإثراء من خلال منصبه، وتأسيس شركات وهمية، إحداها باسم سائقه السابق الذي أصبح مليونيرا؛ فقد كان يؤيد القانون قبل أن يتراجع، شأنه شأن نواب "شاس"، تحت تهديد نتنياهو.
لم يتورع المستوطنون/ المقاولون الذين بنوا البيوت أن يقدموا للقضاء أوراقا تظهر أنهم اشتروا الأرض، قضت المحكمة أنها مزيفة، ولكن أحدا لم يحاكمهم على التزوير. والسياسيون يغيرون مواقفهم ما دام هذا يحقق مكاسب سياسية.
أعلن نتنياهو بناء 850 شقة استيطانية، تعويضا عن إفشال القانون، ليكسب رضا المستوطنين. بل وفي قرار من المشكوك أن نتنياهو نفسه يصدّقه، قرر نقل البيوت بدل هدمها، وسينقلها إلى أراضٍ فلسطينية قريبة مصادرة بقرارات عسكرية، مما سيعطي المباني قيمة رمزية عالية، وقد تصبح مزاراً سياحيا، إن حصل ذلك. ولكن هذا مشكوك فيه، فالنقل يتكلف بين 13 إلى 25 مليون دولار، ويُعتقد باستحالته هندسيّا.
في الوقت نفسه، يناقش نتنياهو الادعاء العام بكيفية منع الفلسطينيين من استصدار قرارات قضائية مستقبلية.
من الذي وقف في وجه إسرائيل في هذه القضية؟
إنّهم أصحاب الأراضي، وعددهم 13. منهم المزارع عبدالرحمن قاسم، والدكتور حربي حسن، الأستاذ الجامعي في الإدارة بالولايات المتحدة سابقا، والذي يتحدث الإنجليزية والإسبانية بطلاقة؛ لديه جنسية أميركية، حيث عاش في فلوريدا عمرا، ثم عاد لوطنه وأصبح أستاذا في جامعة بيرزيت العام 1993. وهو يحمل هوية مقدسية لأن زوجته من القدس الشرقية، وقد رهن حياته في السنوات الأخيرة لمتابعة قضية أرضه، الممنوع من دخولها منذ عشرين عاماً. وكان عبدالرحمن وحربي طلاب صف واحد، وهما الآن في السبعين من عمرهما.
قصة تجسّد المعادلة.. نظام سياسي إسرائيلي مليء بالفساد والتهافت، ولكنه ينتصر بفضل دعم دولي وحالات ترهل وتهافت في النظام العربي؛ والانقسام وضعف المستويات الرسمية والفصائلية الفلسطينية، بينما يحمل المواطن فرداً وزر قضيته.
حالة التناقض القائم هي بين منظومة وحركة سياسية فلسطينية عربية منهارة، وحالة وطنية حيّة ومرتفعة، بين الفلسطينيين العاديين، إن جاز التعبير.

التعليق