رقعة الشطرنج الإسرائيلية واللاعب الفلسطيني

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

فرض تسارع الأحداث في سياق الربيع العربي على إسرائيل التراجع والنظر للمشهد، أو تأمل رقعة الشطرنج ومحاولة استعادة النقلات التي حصلت؛ فكثُرت التحليلات والقراءات البانورامية للأحداث.
تستذكر هذه القراءات أن سياسة إسرائيل عند تأسيسها كانت تقوم على مد خيوط التحالف مع الدول غير العربية المحيطة بالمنطقة، لتحاصر العرب؛ فكانت إيران وتركيا حليفين مهمّين. وفي السبعينيات، دخلت مصر ساحة الحلفاء، وخرجت إيران.
يزعم روبرت ساتلوف، من معهد سياسات الشرق الأدنى الأميركي، القريب من إسرائيل، أنّ إسحق رابين دشّن سياسة البحث عن أرضية مشتركة مع العرب السُنّة ضد إيران، وأن دبلوماسية السلام كانت تخدم هذا الهدف. فكرة الأرض المشتركة على رقعة الشطرنج قد تعني حَجْبَ حجارة الأعداء بعضها بعضا؛ فلسنوات طويلة، حجب العراقيون الإيرانيين، والعكس صحيح، وانشغل العرب بمشكلة تصدير الثورة.
قبل عقد من الزمن، وقع الحجر العراقي، وبدت الأحجار العربية تتحرك خطوة للأمام وأخرى للخلف، في حالة جمود سمحت لإسرائيل بتحصين صفوفها، وإسقاط المزيد من الأحجار الفلسطينية دون إزعاج عربي.
قبل سنوات قليلة، انتقلت تركيا من الحليف إلى اللعب مع الخصم أو إلى موقع ملتبس، ثم جاء الربيع العربي واضطرت إدارة باراك أوباما، كما يقول كل من مايكل أوهانلون، ومارتن أنديك، وكينيث ليبرثال، في مقال مشترك في عدد "فورين أفيرز" الأخير، إلى الموازنة بين "القيم" الأميركية (ما تزعمه واشنطن من دعم للديمقراطية والحرية)، ومصالحها المتضررة من الربيع العربي، فتسلّم بسقوط حلفائها في مصر وتونس. وبذلك بدا أن نقلة السبعينيات التي استبدلت إيران بمصر فقدت معناها، وتحولت تركيا وإيران ومصر إلى جبهة مضادة.
يتأمل لاعب إسرائيلي الحجر المصري، ويقول: تراهن واشنطن على أنّ إسلاميي مصر سيظهرون براغماتية، ويولون الحرص على علاقة حسنة بواشنطن ومساعداتها، أولوية لا تؤدي إلى تغيير كبير عن مواقف النظام السابق الخارجية. ويرى اللاعب الإسرائيلي في هذا التقدير مقامرة اضطرارية، وينقل نظره للحجر السوري، وتزداد حيرته. فهو يرى في سقوط حجر سورية تقليلا من تحصينات الحجر الإيراني وحزب الله، ويعتبر ابتعاد "حماس" عن المربع السوري مكسبا. ولكنه يعود ويفكر: ماذا لو أصبح هناك مثلث إسلامي معادٍ، من مصر (الإخوان) وحماس غزة وحزب الله لبنان؟! ولكن هذا يعتمد على النتيجة في مصر، ومدى اهتمام الإخوان بدخول الملعب الإسرائيلي. ثم يعيد النظر للمربع السوري؛ فرغم احتمالات تراجع التحالف الرباعي: طهران وحزب الله وحماس ودمشق، فالجبهة السورية ساكنة منذ أمد؟ ثم من يضمن أن لا يأتي في دمشق من يقف مع المقاومة حقاً؟ والأهم، ماذا إذا أدت فوضى سورية إلى قدوم قوى راديكالية على حدود إسرائيل؟
تشعر إسرائيل، كما واشنطن، أنها فقدت الكثير من قدرة التحكم بخيوط اللعبة. وبحسب تعبير ساتلوف، فإنهما تدرسان الأخطار والفرص المتحققة من الربيع العربي.
رغم حيرته، يبتسم اللاعب الإسرائيلي؛ إذ يلمح في ركن رقعة الشطرنج سكون اللاعب الأهم، وتهميشه بقرار ذاتي، هو اللاعب الفلسطيني.
حضرت قبل أسبوعين محاضرة عامة لأستاذ من جامعة لندن، اتضح أنه إسرائيلي. سألته وقد مر سريعا على تحليل التغيرات الاستراتيجية الإقليمية المحيطة بالربيع العربي، وربما يعكس هذا الحيرة في فهمها، وتعمق في عرض موجة الاحتجاجات الإسرائيلية الداخلية، وعرض استخدام الإسرائيليين شعارات من مظاهرات الربيع العربي. ولكنه وصَف ما سمّاه بالربيع الإسرائيلي بمجرد نزهة، حتى أن المنظمين اختاروا له منطقة سياحية تعج بمقاهي الشيشة، ومطاعم الحمص والكباب، فكان المتظاهرون متنزهين في آن.
سألته: كأن الفلسطيني غير مرئي في المشهد؟ لم تذكر الاحتلال؟ ألا تخاف إسرائيل انتقال الربيع العربي إلى فلسطين؟ أجاب: يستخدم الفلسطينيون اللاعنف منذ زمن طويل. أعدت السؤال، وأن حراكا فلسطينيا مفاجئاً قد ينشأ، فأجاب: لا يوجد وضع مريح لإسرائيل كالوضع الراهن، الضفة الغربية هادئة رغم الاستيطان، وغزة هدأت جبهتها، فلا يوجد سبب للتفكير بالأمر.
قد لا نتفق معه بشأن المستقبل واطمئنان إسرائيل المبالغ فيه، ولكن هذه هي توزيعة الرقعة الحالية: حركات سريعة مربكة للجميع، تدعو العرب للتفاؤل، فيما تتشاءم إسرائيل، وإن كانت تبحث عن فرص فيما يحدث، ولاعب فلسطيني حاضر غائب.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق