الاغتصاب أكبر من مجرد جريمة

تم نشره في الأربعاء 16 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2012. 02:01 مـساءً
  • › مقالات سابقة

كثر الحديث في الأيام الماضية عن حادثة اغتصاب طفلة لم يتجاوز عمرها الأربعة عشر عاما، وإفلات الجاني من حكم الإعدام بسبب قيامه بالزواج من الضحية ذاتها.

ونظرا لبشاعة وغرابة الحدث في آن واحد، فقد آثرت الكتابة في هذا الموضوع، لعل الكلمات تحرك بعض الضمائر الحية الساكنة لمعالجة الخلل الاجتماعي والقانوني في هذه القضايا بالتحديد.
إن الحديث عن مأساة هذه الطفلة التي ما أزال أجهل اسمها، والتفكير فيما أصابها، يثير في داخلي مشاعر الغضب والاستياء تجاه مرتكب تلك الفاحشة، وتجاه القانون الذي أنتمي إليه، كوني محامية؛ لكنني قبل كل ذلك إنسانة وزوجة وأم، وما لا أرتضيه لنفسي وأسرتي وأبنائي لا أرتضيه لغيري. كذلك، ومنذ بداية مشواري مع القانون، بقي موضوع الأطفال والإساءة إليهم يثير قلقي واهتمامي، وقد أكون من أولى المحاميات اللواتي كتبن في موضوع إساءة معاملة الأطفال في بحثي المقدم إلى نقابة المحامين لغايات الحصول على إجازة المحاماة، بعنوان "إساءة معاملة الأطفال من الناحية القانونية".
وعودة إلى موضوع الطفلة المغتصبة البريئة، فإنني أشعر بالألم والحزن الشديدين على تلك الفتاة، لأن ما عانته في الأيام الماضية، وما تزال تعانيه، يعتبر مأساة إنسانية مدمرة. ذلك أن  الاغتصاب ليس مجرد جريمة، بل هو سلب للكرامة والحرية، وإهانة وإذلال وتحقير للإنسانية.
إذ كيف يمكن لطفلة صغيرة، ما تزال على مقاعد الدراسة، وتتابع برامج الأطفال وتلعب بالدمى والملصقات الكرتونية، كيف يمكن لها أن تتقبل وتتفهم فكرة العيش مع مجرم أساء إليها واعتدى عليها بكل وحشية؟! وكيف يمكن لها ذلك وهي ما تزال تجهل طبيعة الفعل الذي قام به ذاك المخلوق بحقها؟!
إضافة إلى ذلك، فإن هذه الطفلة تجهل طبيعة الحياة الزوجية وأسرار الحياة! فنحن كسيدات عاقلات راشدات نحتاج فترة زمنية معينة، قد تطول أو تقصر، لتقبل فكرة الزواج والحياة المشتركة والإنجاب، ورعاية أسرة، والاهتمام بتفاصيل عديدة صغيرة مهمة قد لا تخطر بالبال. فكيف بحق السماء يمكن لمن لم يتجاوز عمرها 14 عاما أو حتى 15 عاما أن تتقبل أو تتفهم كل ذلك؟! وكيف ستنشئ هذه الفتاة أسرة؟ وكيف ستربي أطفالا وهي نفسها ما تزال طفلة؟!
الإنسان جسد وروح؛ فإن تأذى الجسد قد تلتئم جراحه بعد فترة من الزمن، ولكن إن تأذت الروح فمن سيضمد جراحها؟ وكيف يمكن مداواة مشاعر مكبوتة من الألم والحزن والغضب والخوف، دون إعطاء تلك المشاعر فترة زمنية كافية لعلاجها أو حتى تهدئتها (على أقل تقدير)؟!
إن السماح لمجرم بالإفلات من عقوبة وصلت إلى حد الإعدام، ومكافأته على جريمته بتزويجه من ذات الفتاة التي اغتصبها، لهو من وجهة نظري جريمة أكبر تستحق الدراسة والتحليل.
أضف إلى ذلك أن حادثة اغتصاب هذه الطفلة بتلك الطريقة المحكمة والمخطط لها بهدوء وبترتيب مسبق، وإفلات المجرم وأعوانه من العقوبات المحددة لمثل تلك الجرائم، إنما يلقي الضوء على الثغرات القانونية الموجودة في قانون العقوبات الأردني، رغم التعديلات الأخيرة التي أجريت عليه.
إن الخطة الشيطانية التي تمكن من خلالها المجرم وأعوانه من الإفلات من قبضة العدالة، ومكافأتهم بتزويج الفتاة لذات المجرم، وسط مباركة وتهليل الجميع لهم وكأنهم قاموا بالتستر على فضيحة أخلاقية قامت بارتكابها تلك الطفلة التي لا حول لها ولا قوة، وكل ذنبها هو حظها العاثر الذي أوقعها في ذلك اليوم المشؤوم ضحية لنزوات وفساد وفراغ أخلاقي لمجرم أبسط ما قد يقال عنه إنه مخلوق يفتقر إلى الدين والضمير الإنساني؛ هذه الخطة أوضحت للجميع، وبشكل خاص للمتعاملين بالقانون، مدى خطورة الأمر، ومدى الحاجة الملحة والسريعة إلى التدخل من قبل القانونيين والقائمين على التشريع لغايات إصلاح هذا الخلل، وتعديل مواد القانون ذات الصلة، وإلغاء ما يسمى "إلغاء العقوبة" التي تصل إلى درجة الإعدام لمجرد إعلان المجرم رغبته في إكمال جريمته واستمراره في نزواته الشريرة بحق ذات الضحية، ولكن هذه المرة بطريقة شرعية يحميها القانون، ألا وهي الزواج!
ثم، ما الذي سيمنع العديد من المنحرفين والفاسدين أخلاقيا، والفارغين دينيا، من السير على طريق ودرب ذلك المجرم، طالما أن نتيجة العمل الشاذ ستكون نهاية سعيدة، تكلل بالزواج؟! وهل مدة القيد على الزواج، بمنع طلاق الضحية لمدة خمس سنوات، هي عقوبة بحق المغتصب؟! ثم ما ذنب الأطفال الذين قد يولدون نتيجة هذه العلاقة غير الصحية؛ هل ستكون بيئة مثل هذا النوع من الزواج بيئة صحية ومناسبة لتربية وتنشئة أطفال أصحاء جسديا ونفسيا؟!
أضف إلى ذلك أن القيد باستمرار الزواج لمدة خمس سنوات وعدم طلاق الضحية مرهون بعدم وجود سبب مشروع للطلاق، بمعنى أنه إذا كان هناك سبب مشروع، فإن الطلاق جائز؛ فمن سيحدد مشروعية السبب من عدمه في ظل مثل تلك الظروف، هل هو المغتصب أم الضحية؟! وهل المعاناة النفسية والآلام الناتجة عن العيش مع  المغتصب ذاته تعتبر سببا مشروعا للطلاق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الداعي إلى الزواج أصلا؟! وأين الحكمة والعبرة من قيد الخمس سنوات على استمرار الزواج؟
أعتقد أن الحكمة تكمن في استخدام قيد الخمس سنوات لإبعاد المجرم عن الضحية طوال تلك الفترة، وليس تقريبه منها بالزواج، وذلك حتى يتسنى لها الشفاء والتعافي من آلامها ومعاناتها، هذا إذا كانت لها المقدرة على مداواة جروحها ونسيان آلامها.
إن مشاعر الغضب التي اجتاحت الكاتبة لميس أندوني في مقالتها المنشورة في "العرب اليوم" (3 أيار الحالي) بخصوص تلك الطفلة، قد تكون هي ذات المشاعر التي انتابتني كلما خطرت تلك الطفلة ببالي. وإنني من خلال هذه المقالة أوجه الدعوة إلى الجميع لاعتبار قضية هذه الطفلة البريئة قضية مجتمع بأكمله، وذلك لحل مشكلة عدد كبير جدا من الفتيات اللواتي تعرضن وسوف يتعرضن لحوادث مشابهة، واللواتي ما يزلن بانتظار من يقدم لهن يد العون والمساعدة، وحتى لا يصبح زواج المجرمين من الفتيات اللواتي قاموا باغتصابهن منفذا قانونيا للإفلات من عقوبة تصل إلى حد الإعدام.

التعليق