د.أحمد جميل عزم

حزيران.. من أيّ دفعة أنت؟

تم نشره في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

ترتبط التحولات في حياة كثير من العرب والفلسطينيين بمحطات القضية الفلسطينية؛ فهناك "دفعة" ثورة 1936، ودفعة "النكبة 1948"، ودفعة العدوان الثلاثي 1956، ونكسة حزيران 1967، ودفعة غزو بيروت 1982، وانتفاضة الأقصى 2000، وحرب غزة 2008/2009.
أنا من "دفعة 1982"؛ كنت الصبي الذي بدأ يعي العالم بطريقة مختلفة منذ ذلك الحين. آخرون ترتبط ذاكرتهم بمحطات أخرى. وعلى كثرة ما قرأت وسمعت وشاهدت حول غزو حزيران 1982، يبقى خطابٌ أثّر فيّ على نحو خاص؛ خطابٌ لم أستطع العثور عليه في أي مكان، وأعتقد أنّي سمعته مرة واحدة على شاشة التلفزيون الأردني، الذي بث مباشرة وقائع جلسات المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته بعمّان 1984، وهو خطاب الكاتب والصحفي المستقل، اللبناني الفلسطيني، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان سابقا، عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، رحمه الله.
احتج شفيق الحوت على المبالغة في تصوير حرب بيروت على أنها انتصار، وقال شيئا مثل: إذا كان تشتت قوات الثورة على بلدان بعيدة عن فلسطين انتصاراً فأين الهزيمة؟ تعلمتُ دروسا منها أن الصمود والبطولة تستحقان التمجيد لكنهما لا تلغيان ضرورة التحليل الواقعي للنتائج السياسية. وحين كتبت يوماً عن حرب غزة 2009، بعنوان: أين هو الانتصار يا مشعل؟ فإنّي كنت على الأرجح أستبطن أو أستلهم درس الحوت، وأعتبر توقف الصواريخ والتهدئة والخسائر البشرية متعارضة مع فكرة النصر.
سمَحَت محاضرات مؤسسة عبدالحميد شومان نهاية الثمانينيات، والتي كان يديرها بأناقة ساحرة د. أسعد عبدالرحمن، أن أحضر وأنا طالب جامعي محاضرة للحوت، وأن أحادثه بعد المحاضرة، لاحتج على تمجيده التيار الاشتراكي العربي، وقلتُ: أليس هو سبب هزيمة 1967؟ ولم أتفق مع إجابته، أنّهُ لولا الاشتراكية العربية لكانت الخسارة أكبر. طبّقتُ عليه درسا تعلمته منه، لم أقبل الشعارات الفضفاضة.
مع نهاية التسعينيات، كنت أصبح باحثاً في قضية فلسطين، وسمح إتاحة وثائق أراشيف بريطانية وأميركية وإسرائيلية عن حرب 1967، بمناسبة مرور ثلاثين عاما، بكشف تفاصيل إضافية عن الحرب. قرأت في الوثائق البريطانية شخصيا، وقرأت كتبا اعتمدت على الأراشيف، صدمتني تفاصيل منها أنّ احتلال الجولان جاء بعد تردد إسرائيلي شديد، حيث لم يكن هذا مخططا، ولكن الهضبة كانت شبه فارغة من القوات السورية، ما جعل الضباط الميدانيين يلحون لاستغلال الفراغ بينما السياسيون الإسرائيليون متخوفون من ردة الفعل السوفيتية، إلى أن اتضح أن لا داعي للخوف. فاجأني أن السياسيين الإسرائيليين، وقد فاجأهم دخول الأردن الحرب رغم عدم استهدافه من قبل إسرائيل، كانوا على خلاف أين سيصلون، ولم يكن هناك إجماع على استمرار احتلال القدس. كانت حربا تساوت فيها جيوش الأنظمة الرجعية والتقدمية كما كان يسميها بعض الإعلام حينها. 
ضاعفت التفاصيل عن الجبهة الفارغة، وعدم جاهزية سلاح الجو السوري، المرارة التي كنت أشعر بها إزاء النظام السوري، منذ موقفه السلبي أثناء حرب 1982، وحروب المخيمات، والمجازر ضد الفلسطينيين التي جرت بأيدٍ فلسطينية ولبنانية أواسط الثمانينيات بتحريض وإسنادين عسكري وسياسي سوريين، وجعلني كل هذا لا أتقبل فكرة "تيار الممانعة".
حزيران هذا العام مختلف قليلا؛ فالنظام السوري طالما قدّم، ومن خلفه كتاب ومثقفون، رواية معينة للتاريخ العربي المعاصر، والآن هو في موقع المُدان أو المتهم شعبيا بارتكاب مجازر ضد شعبه.
أسقطت الثورات العربية تصنيفات "الممانعة والاعتدال"؛ أسقطت النظامين المصري والليبي، وعرّت السوري، فخلطت الأوراق.
من هنا أفهم أو أتمنى أن الجماهير استوعبت دروسا تزيد الواقعية، وتقلل من الشعبوية والعاطفية في التفكير. وأترقب هل ترفض الجماهير العربية السلبية والاستسلام لواشنطن، وبالتالي لتل أبيب، والتي هي الوجه الآخر لفكرة "الاعتدال"، كما أعلنت رفض المتاجرة بفلسطين زورا وبهتانا، وتحويلها إلى ورقة في يد أنظمة دموية دكتاتورية فاسدة، همّها الحفاظ على الحكم وتوريثه؟
كيف ستكون "دفعة الثورات العربية"، دفعة حزيران السوري الراهن، وما ترتب عليها من إسقاط وتعرية وتصفية؟ لطالما كانت فلسطين نقطة تحول في محيطها، وسببا في نشوء تيارات وتنظيمات سياسية وفكرية. كيف ستتأثر فلسطين بالتحولات العربية المنشأ والمنبت هذه المرة؟

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لله ألأمر من قبل ومن بعد!!! (عصام عبدالرزاق الاحمر)

    الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2012.
    أنا من دفعة 1967 وشاهدا على احتلال اسرائيل لأراضي ثلاث دول عربية محيطة بها" وبقاء أنظمتنا على حالها".لم تغير شيئابل مسلسل "السقوط" من كامب ديفيدالى محادثات أوسلو الى اتفاقية وادي عربة. سيزف لا يستطيع أن يرفع الصخرة سوف تهوي.وسوف تهوي بباقي الدول العربية الى حضن الأعتراف والتطبيع. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
  • »الانتصار : رياضة الممكن (امجد ابوعوض)

    الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2012.
    يبدو ان الانتصار الفلسطيني الوحيد هو توقيع اتفاق اوسلو او ربما مشاركة فياض بكلمه في مؤتمر هرتسيليا تعتبر تعزيزا مباركا لهذا الانتصار , ذلك ان الفلسطيني الواقعي لا يعتبر ابدا ان الوقوف في وجه اسرائيل والتمسك بشرف الاستبسال هو ممارسه طبيعيه للحياه وان من الواجب احيانا ان تمارس الشعوب المقهوره رياضة الممكن ابتعادا منها عن الموت , الا كيف اعتبرت تعليق اضراب الاسرى انتصارا رغم بقائهم في السجون ؟ كيف يحيى الانسان بلا عاطفه ؟ اذا كانت السياسه هي فن الممكن فلا يعني هذا ان سياسة الهزيمه هي ادب الممكن , لن يوصلنا ادبكم الى التحرير يوما , اما فلسطين فهي تنتظر مرسي رئيسا لمصر دون ان تفكر بالمفاضله التحليليه بينه و شفيق او بين شفيق وحمدين صباحي او بين شفيق وابو الفتوح او حتى بين شفيق وعمرو موسى ! خيانة الثوره المصريه هو العنوان البدين لتفسير موقف الاخوان اذا ما قاموا مثلا بالمقارنه التحليليه لاتخاذ قرار دعم حمدين صباحي او احمد شفيق اذا افترضنا ان نتائج الانتخابات حكت حكاية وصولهما معا لمرحلة الاعاده ,