ليبرالية محمد مرسي الموعودة!

تم نشره في الخميس 31 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

بعد أن كال الكثير من التهكم والشتائم للراحل جمال عبدالناصر، أمام الطلبة الذين ولد غالبيتهم  قبيل أو بعد وفاته، قال المحاضر الجامعي وهو يغالب ضحكة شماتة: لو قلتُ هذا الكلام قبل عشرين عاما لضربني الطلبة بالزجاجات الفارغة. كان هذا أستاذاً إسلاميّاً في الجامعة الأردنية، نهاية الثمانينيات.
في القاعة ذاتها، قال أستاذ آخر (قومي) عن عبدالناصر أيضاً: عارضته بشدة في حياته، ولكن يوم ذهبتُ للتعزية به في السفارة في دمشق، أغمي علي، وقد أدركت "أي فتىً أضعنا".
يوم كان مُحاصراً في المقاطعة في رام الله، بدأت اتصالات التعاطف معه تهطل على قناة "الجزيرة"، بعد سنوات من تعرضه للهجوم. وقال شخص عرّف نفسه بأنّه طبيب مقيم في لندن، إنّه لطالما هاجم ياسر عرفات، ولكن الآن وهو يرى حصار إسرائيل له أدرك كم كان مخطئاً.
التغير الجذري في المواقف يشمل النخب والجماهير، ودون أسباب موضوعية. ويكفي موقف أحيانا لحدوث دراما التغيير. تُستحضر انقلابات التفكير هذه ونحن نراقب الحملة الكبيرة (ولا يمكن افتراض أنّها تمثل الأغلبية، في مصر)، ونرى أن الاختيار بين الإخوان المسلمين وأحمد شفيق اضطراري، وكلاهما خيار محفوف بالمخاوف والشك.
أسباب كثيرة يمكن افتراض أنّها وراء هذه الحالة، بدءا من أداء الإسلاميين الانتخابي؛ ترددهم في طرح مرشح، والانقسامات في صفوفهم، وشخصية محمد مرسي، ومواقف فردية في البرلمان تركت أثرا مثل قصة صورة النواب النائمين، والنائب السلفي الذي ادعى وقوع اعتداء عليه وسرقة أمواله، ليتضح أنّه في المستشفى إثر عملية تجميل، وحوادث وأمور أخرى متناثرة قد لا يكون لها معنى سياسي كبير، ولكنها تركت أثرا شعبيا. أضف إلى ذلك الثورة المصرية بصفتها تعطي الشارع والشباب القدرة على المبادرة، وبروز مرشحين مثل حمدين صباحي، وحتى عبدالمنعم أبو الفتوح، جعلهما يبدوان بديلا ثالثاً خارج ثنائية "النظام الفاسد" و"التنظيم الإقصائي". كما أنّ تجارب إسلامية كانت ذات شعبية يوماً ما تحولت لخيبة أمل كبرى؛ فإيران كانت تجسد مشروعاً إسلاميا سقط شعبيا على مذابح المذهبية والدكتاتورية الداخلية ضد الخصوم، وبدت تجربة حكم "طالبان" شبحاً يخاف منه كثيرون، كما دموية "القاعدة"، وغير ذلك.
نظّمنا إبّان حرب الخليج مطلع التسعينيات، في اتحاد طلبة الأردن، مهرجانا في المدرج الروماني بعمّان، دعونا إليه قيادات منهم راشد الغنوشي، وحسن الترابي، وقادة الحركة الإسلامية من أكثر من دولة، وتوافد الآلاف على المدرج الروماني، وفاضت بهم الساحات المحيطة. ولكن الضيوف تأخروا، وقيل لنا إنّهم في ضيافة الديوان الملكي. استعنا بأحد أساتذة "الشريعة" أصحاب الشعبية الكاسحة للحديث أمام الجمهور، ونجح الأمر، وبدأ الجمهور بالتفاعل. وحين دخل الترابي، قال أستاذ الشريعة: "إذا حضر الماء بطل التيمم"، وأفسح المنصة للشيخ القادم من السودان ليشعل المدرجات، التي كانت تراه قائدا ملهماً، حماسة. أين الترابي اليوم وأين تجربة السودان؟
تذكر إعلاميون أصدقاء، كانوا طلبة من الحركة الإسلامية، أمس "تحليلات" أساتذة إسلاميين يتحدثون في الإعلام أثناء حرب الخليج عن انتصارات ستأتي بها عوامل غريبة، ولم يحدث شيء. وذكروا لي أنّ أستاذ "الشريعة" ذاته ضرب رأسه بيده يوما استغرابا لمواقف الترابي الجديدة.
سأجيز لنفسي أيضاً طرح أمر يهمني شخصياً. فلسنوات، كان وصف "الليبرالية" شتيمة، ولطالما اجتهدت لتوضيح أنّها موقف أخلاقي وإنساني، لا علاقة لها بفكرة الانحلال أو الكفر. وقبل أيام قليلة، وجدت محمد مرسي يناشد خصومه أن "نسبح معاً في تيار ليبرالي حقيقي به سلام وأمن اجتماعي".
لا أناقش هنا الموقف من الإسلاميين ومواقف الإسلاميين، وإنّما التغير المفاجئ في المواقف، دون أن أجزم بحجمه أو استمراريته. وأتذكر أنّ الأستاذ الذي أغمي عليه في عزاء عبدالناصر، بدل أن يحلل لنا حرب الخليج تحوّل لكتابة الشعر في صدام حسين.
هذه حالة متوقعة وطبيعية في عصر الدكتاتورية، والقمع، وعدم وجود دور حقيقي للمواطن؛ فهل تؤدي الديمقراطية إلى أن يُعمل الإنسان فكره ويصبح أقل اندفاعاً في التأييد والرفض، والتحول من تيار إلى آخر، أو يصبح الانتقال المتكرر طبيعيا طبقا للأداء السياسي لفترة محدودة، دون تكفير وتخوين باعتبار هذا سلوكا ديمقراطيا؟

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مهما كانت الأيدلوجية (مواطن)

    الخميس 31 أيار / مايو 2012.
    استاذي وصديقي العزيز،
    أي أيدلوجيا متبعة مهما كانت طالما اصبحت متبناه من سلطه ما فهذه السلطة ما تلبث الى ان تنتهج منهجا اقصائيا لكل ما يعارضها تحت اسم المعتقد هذا او ذاك فلا علاقة لمبادئ العقيده مهما كانت فكل مسارها الى الفردية خاصة في مجتمعاتنا الأبوية والتي تسيطر عليه فكرة المخلص المننتظر.
    ام عن تقلب الآراء فلا ضير في ذلك طالما بانه دحض ما سبقه بالمنطق والبرهان العلمي عدى ذلك فهو محض كما يسمى بالعامية(ركوب الموجه أو السير مع التيار الأقوى).
    احترامي
  • »الاسلام انبعث قبل الليبرالية (سامي احسان)

    الخميس 31 أيار / مايو 2012.
    أعتقد بأنه يمكن للمسلم او لحزب يتبع المرجعية الاسلامية ان يكون "اسلامياً ليبرالياً" سواء قبل ميلاد الليبرالية الحديثة أو بعدها، مستنداً في ذلك الى العديد من الاحكام والنصوص والقواعد الشرعية المتعارف عليها. ففي العقيدة (لا اكراه في الدين). وفي الشريعة، أعتقد بأن الاتجاه العام في اصول الفقه هو النظر الى ان "الأصل في الأفعال الاباحة"، وأنه "لا تحريم الا بنص شرعي أو اجماع". الليبرالية المتطرفة (كالمساواة الاخلاقية بين الزواج العفيف والشذوذ الجنسي) مرفوضة بالطبع وهي أقرب الى العدمية الاخلاقية، مما ولّد التخوف الاسلامي من الليبرالية دون ضوابط. ولعلي لا ابالغ اذا قلت ان الليبرالية المتطرفة (بمعنى جعل الهوى الشخصي هو الاله) هي مصدر أساسي للفساد والمشكلات المجتمعية في الارض ، تماماً كما هو الاستبداد واحتكار السلطة دون مساءلة. قال تعالى " وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ " وقال سبحانه " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ".
  • »الليبراليه (محمد الجندي)

    الخميس 31 أيار / مايو 2012.
    كلام محمد مرسي ليس غريبا و لم يصدر من فراغ فجماعة الإخوان المسلمين هي برأيي من أكثر التيارات السياسيه ليبرالية في العالم العربي و الإسلامي. و هنا طبعا أقصد الليبراليه السياسيه و ليس الليبراليه العامه أو الشامله. برأيي أنهم قطعوا شوطا كبيرا في تنمية الليبراليه الأخلاقيه لديهم الأمر الذي أدى إلى تخلي العديد من الأصوليين الدينيين مثل الحركه السلفيه عنهم و لا أظن أن أنصارهم الحاليين سيقبلون بمزيد من التطور بهذا الاتجاه.
  • »إلى أسامة.. لماذا لم تر إلا الجماعة (أحمد عزم)

    الخميس 31 أيار / مايو 2012.
    الأستاذ العزيز أسامة... نعم كانت الاستفادة من حضورهم المؤتمر فنظمنا المهرجان في المدرج الروماني...
    يبدو أنه في ردك وقعت في بعض ما حذرت منه.. وما تعاني منه الحركة الإسلامية... فلم تر، أو هكذا يوضح ردك، إلا الشق المتعلق بالإخوان وقصرت حديثك عليه... وهذا ما يزعج الكثيرين وما يقلل من شعبية الجماعة... وهو تقزيم كل شيء إلى ما يتعلق بالإخوان... المقال عن التحول في المجتمع بكل فئاته من أطراف سياسية بدءا من عبدالناصر مرورا بياسر عرفات وصولا للإخوان.. والمقال استهجان للتقلب غير المدروس في المجتمع وليس الجماعة... والمقال ليس عن تقلبات الإخوان أنفسهم إلا من حيث محاولة فهم اللحظة.. أو من حيث فهم المزاج الشعبي... ربما أنت وأنا أيضا نتفق مع عدم دقة تحميل الإخوان تحديدا وزر التجاربة الإيرانية والسلفية.. أو تعميم تجربة الترابي عليهم... ولكن هذا أمر غير ممكن خاصة من وجهة النظر الشعبية... وللحق دافع الإخوان وتبنو تلك التجارب وكان الترابي، كما تعلم، يوما بطلا أكثر من غيره في عيون شباب الإخوان في الأردن وغيره، ينظرون له ويوزعون كتبه مجانا أو بسعر التكلفة.. وكل هذا له ثمن طبيعي أن تدفعه في السياسية، أي جماعة... فرموز أي جماعة أو حزب لا ينفصلون عنها عند الشعب...
    بالنسبة لليبراليين العرب.. أكاد أعتقد أنه لا يوجد ليبراليين عرب حقا.. فأولا الليبرالية الاقتصادية في التطبيق العربي تكاد تكون فسادا مطلقا.. والليبرالية السياسية تكاد تكون أصولية أسوأ من أصولية الإخوان ..فأي ليبرالي يرفض وصول الإسلاميين للسلطة لمجرد أنهم إسلاميين ويضحي بالدمقراطية لهذا السبب ليس ليبراليا.. ولكن لا يمكن أيضا أن نتجاهل التحول عندما نرى مرسي يتحدث بإيجابية عن الليبرالية التي كانت حتى أيام شتيمة... الليبراليون الحقيقيين يؤمنون بحق التعددية وهم ليسوا إطارا حتى الآن.. وربما لن يكونوا يوما سيكونون جزءا من الإسلاميين ومن اليسار ومن الوطنيين...
    أما مسألة البرغماتية التي أشرت لها... أليست هي ذاتها فقه الموازنات والمصالح المرسلة.. أليست في صلب الفكر الإخواني... بل ومن سمات الديمقراطية الأصيلة.. أهم ما يجب الالتزام به في هذه الحالة أن تكون المواقف المعلنة حقيقية وتعبر عن قناعات وليس فقط حشدا للتأييد... وإلى كان هذا مسا بالعقيدة
  • »أولاد الاستبداد (اسامة مطير)

    الخميس 31 أيار / مايو 2012.
    ذكرني الكاتب الكريم بأيام التسعينيات وتقريبا في نفس الاسبوع كان هنالك مؤتمرا للقوى الشعبية العربية.وتكلم الغنوشي بهذه العبارات على ما أذكر:((أخشى من هذا الاستبداد في عالمنا العربي أن لا يولد الا الاستبداد)).ولعل من المفارقات الحقيقية التي عشناها في الذين يستميتون الان في طلب الليبرالية هو:أنهم أنفسهم هم الذين استبدوا شعوبهم ونكلوا بها.بينما يأتي الليبراليون ويطلبون من الاخوان(بعدما نزعت منهم الادوات التنفيذية))يطلبون منهم الليبرالية ومدنية الدولة وضرورة خروج الرئيس والتخلي عن انتمائه الحزبي والوعد وكتابة المواثيق المغلظة بالحفاظ على حقوق المرأة والاقباط والأقليات وغير ذلك.فلا يجوز للاسلاميين ممارسة حقهم بالفوز في شيء بل تضرب عليهم كل الشروط والمكبلات.
    الحركة الاسلامية وأخص بالذكر(جماعة الاخوان المسلمين)لم تكن يوما مدرسة فقهية منغلقة على رأي واحد.بل كانت مجمعا من الاراء واحيانا الاراء المتناقضة .ولكن الذي استطاعت هذه الحركة الصمود عيه طيلة هذه السنوات هو تفعيل فقه الموازنات والمصالح المرسله وغيرها.وهذا ليس عيبا على حركة سياسية عمرها اكثر من 80 عاما.حتى الان لم تتمكن الحركة الاسلامية أن تسيطر على نظام حكم بدون الالتجاء الى البراغماتية والمرونة تجاه الاخرين(تركيا وتونس والمغرب وغيرها).
    ليس من العدل المقارنةبين الاخوان مع الخصوم العقائديون والمناكفون طبيعيا لهم:السلفيون او حتى ايران الشيعية.
    للاخوان المسلمين دور حميد تاريخيا في الابقاء على شعلات حضارية وسياسية اسلامية يحمدون عليها.ولا ينبغي ربط تاريخ هذه الحركة بمواقف الترابي المتقلبة ،حتى على نفسهبل وأن الترابي نفسه لا يمكن ربط فكره بفكر الاخوان.أتحدى أن يتقول أحد أن الاخوان أعطوا الفرصة الحقيقية فخانوا او نقضوا فيها العهود والوعود.
    يسجل للاخوان على اليسار والليبرالية والقومية وغيرها ،أنهم كانوا أكثر كفاءة في ادارة المؤسسات التي اعتلوها بالانتخاب :نقابات واتحادات وجمعيات وأحزاب.فلا نكاد نتذكر حادثة فساد واحدة.وإذا وجدنا ،فإنها لا تقارن مع الكم الهائل من فساد المناكفين للحركة الاسلامية.هو التاريخ الذي سيسجل الصحيح والخطأ.والاخوان بشر يخطؤون ويصيبون .ولكن المهم هو عدم قوقعة الخطأ ليصبح عقيدة ديكتاتورية يموت الجميع دون الحاكم الصنم الواحد الاحد .ويكفي للتجرلة البرهان.فلقد جربنا الاخرين سنين طويلة ولم يجرب الاخوان الا قليلا بتجارب متفرقة هنا وهنالك .وبركوب قوارب العلمانية والليبرالية خوفا من الاستئصال