أين أنتم من وصفي؟

تم نشره في الثلاثاء 29 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

"الوجبة الأولى" من قرارات رفع الأسعار مرت بهدوء. ومن المنتظر أن تظهر إلى السطح، الشهر المقبل، "الوجبة الثانية" التي ستمس بشكل أكبر الشرائح الفقيرة ومتوسطة الدخل. وما بين الوجبتين، ستحاول الدولة الحصول على قروض بحجم ملياري دولار من مؤسسات التمويل الدولية، وربما تحصل أيضا على مليارات أخرى تحتاجها وكانت طلبتها من السعودية.
ويستمر حديث الحكومات عن التشوه المتراكم في خريطة الدعم لأسعار بعض السلع والخدمات. وسيستمر أيضا اللجوء، مرة بعد مرة، إلى جيوب المواطنين بحثا عما يسد عجز الموازنة، فيما المديونية تتفاقم؛ وكأن المشكلة مجزأة، تبدأ بموازنة ضخمة ومشبعة بالإنفاق غير المجدي، يتلوها بحث عن طرق لسد العجز، ثم اللجوء إلى الاستدانة، والانتهاء برفع الأسعار مجددا، وإرهاق كاهل المؤسسات والمستهلكين بتضخم لا قدرة لهم على مواجهته. وهكذا يستمر المسلسل منذ نحو عقدين، وكأننا ندور في حلقة مفرغة.
في تقديري أن الوجبة الأولى من الرفع حتى وإن اقتصرت على رفع بنزين "أوكتان 95" ومشتقات نفطية صناعية، فإن أثرها يبدو سريعا في أسعار سلة غير منتهية من السلع والخدمات. وهذا هو نتاج أي قرار لرفع الأسعار. فالكلفة عندما ترتفع على الصناعات وخدمات النقل وسواها، فإن الأثر كان دائما يتحول إلى الحلقة الأخيرة من دورة الإنتاج والاستهلاك، أي المستهلك الذي يدفع سعر السلعة والكلفة الإضافية وضريبة المبيعات.
المشكلة تتلخص في غياب الخطط وفساد نخب كان من المفترض أن تسعى إلى تحقيق التنمية لا زيادة حساباتها الشخصية في البنوك. ولعل أصل البلاء هو أن عدم وجود رؤية منهجية متفق عليها، في مقابل تفشي الفساد، كان سببا في كل هذا الفشل الذي جعلنا دولة تأخذ من أبنائها -للأسف- من أجل سد عيوب الإنفاق والهدر والفساد، وهي قبل ذلك تطلب مساعدة الخارج.
وبالعودة إلى الوراء، تتضح صورة اليوم أكثر. فقبل نصف قرن، شكل وصفي التل حكومة استمرت ثمانية عشر شهرا. وخلال هذه الفترة غير الطويلة، استطاع أن يصنع الكثير. فكانت البدايات للبنك المركزي والجامعة الأردنية وميناء العقبة، وإنجاز الطريق الذي يربط العاصمة بمحافظات الجنوب "الطريق الصحراوي". كما أسس للزراعة أرضية جيدة، تساعد المزارعين في تقوية محاصيلهم. وبدأ باعتماد منهجية الخطط الخمسية ضمن رؤية سعت لبناء القدرات الداخلية للأردنيين بعيدا عن الاعتماد على الخارج. أما في السياسة، فقد أفرج عن جميع المعتقلين السياسيين في العام 1962، وأشرف شخصيا على إحراق الملفات الأمنية التي تخص المعارضين.
وما يميز وصفي عمن سبقه ومن لحق به من رؤساء حكومات وشخصيات سياسية، أن لديه فكرا ورؤية ومنهجا في السياسة والاقتصاد. ولديه أيضا إرادة عز نظيرها. حتى أمسى العمل السياسي والاقتصادي في عقله في سنوات تسلمه للمسؤولية حفرا في الصخر، لكنه كان دوما يرى نقطة الوصول عبر أهداف واضحة.
لم يراكم حسابات في المصارف، ولم يرتد الملابس الأغلى سعرا، ولم يكن عدوا للغة العربية.
الحديث عن "ديجتال" وليبراليين ومحافظين وتقليديين، تسبب في صداع ما يزال يدور في رؤوسنا. واليوم، يمكن القول إن البدلات الأنيقة، واللكنة الإنجليزية المعوجة، وعروض الـ"باور بوينت".. كل ذلك أنتج اقتصادا هزيلا تابعا فاسدا. وأن الإرادة والنزاهة التي كان يمتلكها رئيس الوزراء قبل خمسين عاما من عمر الدولة ليست موجودة اليوم.
وصفي تخرج في الجامعة الأميركية، ولكنه كان أردنيا صادقا، يفخر بعربيته وقوميته.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لأجل ذلك الكل يذكر وصفي (ahmad)

    الثلاثاء 29 أيار / مايو 2012.
    بينما هؤلاء الأقزام يغدون و يروحون بلا أدنى أثر أو ذكر سوى لعنات الفقراء تطاردهم في أوكارهم اللندنية و الباريسية و النيويوركية, أستاذ حسن, لو ترى كيف يتصرف أحدهم مع موظفيه و كأنه رعمسيس أو رمسيس متجردا من كل قيمة إنسانية يتجبرون في الخلق و كأنهم أنصاف...., وينظرون إلى الوطن و كأنه فندق يمارسون في طابقه الأول لعبة الحظ فإما أن يفوز و يخلع و أما أن يخسر فتكون دائرة مكافحة الفساد بالمرصاد (نادر ما ندر طبعا), و طبعا عند يمر الوطن بهكذا ظرف يبدأ مزاد التبرعات(15%و 20% لمدة 3 شهور أو ستة أشهر) وكأنهم يكفلون يتيما هو الوطن,
  • »لدينا الكثير من وصفي ! (اردني بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    الثلاثاء 29 أيار / مايو 2012.
    ولكنهم مهمشين تهميش حدث ولا حرج .
    نعم يوجد اناس شرفاء لا تغريهم الاموال المحرمه , ولا يقبلوا ان يدخل في جيوبهم اي قرش ليس من حقه .
    ولديهم كل الحماس والقدره على احداث نتائج تحقق نقلات نوعيه في الحياه السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه .
    والدليل على التهميش قوانين انتخابيه عرجاء وانتخابات مزوره ووجود قوى الشد العكسي .