نعم.. الإخوان المسلمون "مِننا"

تم نشره في الاثنين 28 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

يشغل احتلال أحمد شفيق المركز الثاني في انتخابات الرئاسة المصرية، ودخوله المرتقب الجولة النهائية للانتخابات -إذا تأكدت النتائج ولم تُقبل الطعون- ضد مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي، الرأي العام بالدرجة الأولى. والواقع أنّ تواضع نتائج الإخوان المسلمين هو المفاجأة الحقيقية. وهناك تطور مهم جدا، وهو بروز تيار جديد جسّده حمدين صباحي، صاحب شعار "واحد مننا".
ما فاز به الإخوان المسلمون، بحسب نتائج غير نهائية أو دقيقة تماما، حوالي 12 - 13 % من أصوات الناخبين المصريين البالغ عددهم 50 مليونا، والذين شارك نحو نصفهم فقط بالانتخاب؛ فقد فاز مرسي بنحو ربع أصوات المشاركين في التصويت.
وما حققه شفيق، إذا ما استثنينا احتمالات تلاعب في الانتخابات، ممكن في سياق حسابات الكتل الناخبة؛ إذ حقق نحو 11 % من أصوات الناخبين المؤهلين، بينما حقق معارضو النظام السابق مجتمعين أكثر من 30 % من أصوات الناخبين، وأكثر من 60 % ممن اشتركوا في التصويت. حالة خوف الشارع القبطي في ظل إرث من التوتر، دفعته إلى حد كبير لاختيار مرشح كشفيق. كذلك، هناك قطاعات واسعة نسبيا في الشارع المصري تخشى التغيير الثوري، ومن هؤلاء العاملون في مؤسسات الجيش الاقتصادية، التي تشكل إمبراطورية مالية، وهؤلاء لم يطمئنهم المرشحون غير "الفلول".
تجلّت عدة تبعات للثورة المصرية في الانتخابات الرئاسية. أولها، تراجع دور الأيديولوجيا لصالح قضايا المواطنة، والحريات، والكرامة، وفعالية الأداء. وأدرك الإخوان المسلمون أنفسهم أهمية تقديم خطاب جديد، فقدموا فكرة "الحرية والعدالة" واتخذوها اسما لحزبهم، وتراجعت الشعارات الدينية الفضفاضة، ولم تنجح محاولات البعض ربط قرار التصويت بالترهيب الديني. كان الخيار سابقاً بين لافتات غامضة: النظام والإسلاميون والعلمانيون، وأصبح هناك الآن أسماء محددة وأشخاص ومؤهلات ونقاط نقاش، وناخبون لهم أولوياتهم. وأصبح الأداء مِعياراً، وربما من المبكر الحكم على أداء الإسلاميين الذين فازوا بالبرلمان، ولكن النّاخب أدرك أن لا حلول سحرية عاجلة مع أي قوة. كما تبرز الآن أسماء جديدة، فحتى الإخوان أنفسهم حدثت داخلهم تفاعلات وتغييرات في الوجوه والسياسات.
ثانيا، تغيّرت طبيعة وحدات العمل السياسي، ولم تعد أجهزة السلطة، أو ماكينة الأحزاب والإخوان، هي الأساس منفردة؛ انتهت ثنائية "النظام" و"التنظيم"، وأفرزت الثورة قوى جديدة أهمها الفرد، باعتباره فاعلا مبادرا ومستقلا، يعمل في أطر تتمثل في عدد كبير من الجماعات والشبكات التي لا تُقدّس الزعيم أو التنظيم. وعلى قِصَر أمد الحملة الانتخابية، فقد غيّرت قطاعات واسعة رأيها أثناء الحملة، ولم يحدد حزب أو أيديولوجيا قرارها.
ثالث النتائج، أنّه كما في مجتمعات أخرى، هناك كتل تصويتية تصوّت بشكل متجانس ومُكثّف، أكثر من شرائح اجتماعية أخرى، فتقلب النتائج. فمثلا، يُشكَل السود واليهود كتلا تصويتية فاعلة في الانتخابات الأميركية، وفي مصر شرائح مثل الأقباط، والعاملون في مؤسسات الجيش، وعلى كل مرشح أن يوازن خطابه بحذر لئلا يستعديهم.    
رابع تبعات الثورة، تراجع دور الإعلام التقليدي الرسمي، والجماعات الدينية وحتى المسجد، في تشكيل الرأي العام، لصالح وسائل تعتمد على الفرد في شبكات التواصل الاجتماعي، والتواجد في الميادين العامة، والحملات الانتخابية. ومن هنا رأينا مثلا حملة حمدين صباحي (حوالي 9.6 % من الناخبين) تستخدم الشبكات الاجتماعية بكفاءة تعوّض نقص الأموال والتنظيم.
كنا نتحدث قبل الديمقراطية عن "القدرة على الحشد"، وحتى لحظة الثورة كان الإخوان هم الأقدر على ذلك، فكانت الثورة أولى تجليات تغير قوى وآليات الحشد. ثم جاء اختيار أقل من 15 % من الناخبين الذهاب للصناديق الانتخابية لانتخاب الإخوان، ليؤكد تراجع أكبر لفكرة "الحشد"، والانتقال إلى مرحلة "الناخبين" المترددين.
ربما يفوز "الإخوان" الآن، ولكن باعتبارهم القوة الأولى، ضمن قوى أخرى، ما سيوجد نوعا من التفويض المشروط، وسيُعاد اختبارهم لاحقا. هم الآن جزء من الإسلاميين وليسوا الإسلاميين، وليسوا وحدهم الحركة الإسلامية، هم جزء من المجتمع بمسلميه وأقباطه. 
بانتخابهم، سيؤكد غالبية الناخبين الثوريين أنّهم "منّنا"، وأنّهم يمنحونهم شرعيتهم. ووصول الإخوان للحكم بهذا الشكل هو انتصار للثورة، فمن حقهم الحكم طالما حصدوا تأييدا أكثر من غيرهم، ومن حق الشعب والقوى المختلفة مراقبتهم ومحاسبتهم، يُجددون لهم أو يغيّرونهم، ديمقراطيا وقانونيا انتخابيّا.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التجربة خير برهان (اسامة مطير)

    الاثنين 28 أيار / مايو 2012.
    المجتمع المصري اثبت من خلال هذه الانتخابات أنه يميل الى الخطاب الديني.وهذا يثبته حوالي 555 من الاصوات لصالح قوى الثورة المصرية .فحتى حمدين صباحي ركب الخطاب الديني في بعض جولاته. وذهب أحمد شفيق لاستمالة الصوفية تجاه حملته ونجح بدرجة ما.بالنسبة للاخوان فلقد عانوا كثيرا من الحرب السلفية ضدهم والتشكيك بهم وبتدينهم المعتدل .فذهبت اصوات اسلامية كثيرة الى العدو اللدود السابق للسلفيين ابو الفتوح(نكاية بالرفيق اللدود الاخوان)
    الثورة المصرية بأحداثها تتناسب فيزيائيا مع قدر يغلي وتدور محتوياته في كل اتجاه.قد تكون الفرصة سانحة للاخوان وبرنامج نهضتهم وخاصة اذا نجخوا في رفع بعض الجوع وألام الشعب المصري.ولكن المهم الان هو تثبيت مبدأ احترام الديموقراطية وحرية الاختيار سواء كان ذلك في عهد الاخوان أو صباحي
  • »فلول أم إخوان؟ (عبد الغني سلامه)

    الاثنين 28 أيار / مايو 2012.
    كلمة (فلول) وتعني الهاربين، وهو توصيف سلبي راج بعد سقوط النظام، وقد وظف الإخوان هذا المصطلح لأغراض سياسية ولتحقيق مكاسب انتخابية، بحيث وضعوا الناخب المصري أمام ثنائية حادة: إما الإخوان أو رموز النظام السابق. ولما كانت الناس ترفض وتدين رموز النظام السابق فمن المتوقع أن يختاروا الإخوان، إما عن قناعة أو كأهون الشرين. والحقيقة أن ما ينطبق على شفيق بصفته من النظام السابق ينطبق على ملايين المصريين الذين كانوا وما زالوا يعملون في الدولة وفي الأمن والجيش، من الجندي والمراسل حتى الفريق والوزير، كل حسب مسؤولياته، فالعمل في مؤسسات الدولة لم يكن معيارا للوطنية أو للخيانة، بل المعيار هو نظافة ونزاهة الشخص المسؤول أو حتى الموظف العادي، وبالتالي من الخطأ الربط الآلي بين من كان يعمل في النظام السابق وبين الفساد. وباعتقادي أن الإخوان أجادوا اللعب على هذا الوتر وضللوا خلقا كثيرا، وهم ماضون في ذلك في الجولة القادمة.
    ومن ناحية ثانية يدل تراجع نسبة ناخبي الإخوان فيما بين الانتخابات التشريعية والرئاسية وفي فترة بضعة شهور وبهذا القدر الكبير من التراجع تدل على أن حيل الإخوان الإعلامية بدأت تتكشف، وبدأ الجماعة تخسر من شعبيتها حيث فقدت في انتخابات الرئاسة حسب تقدير الخبراء ما يقارب ستة ملايين صوت مقارنة بالانتخابات التشريعية بالرغم من كل الثقل الإعلامي والمالي والتنظيمي وخبرة تسعون سنة من العمل الحزبي العلني .. ربما يكسب الإخوان مجلس الشعب ولكنهم في المقابل قد يخسروا الشعب نفسه إلا إذا أثبتوا بالممارسة ما يطمئن ويقنع الشعب .. أتمنى ذلك