ماجد توبة

الاستقلال في ظلال الربيع العربي: استكمال مشروع الإصلاح "المتعثر".. التحدي الوطني الراهن

تم نشره في الخميس 24 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

تمر ذكرى استقلال الأردن المباركة، التي نتفيأ اليوم ظلالها وعبقها، وقد حفر الربيع العربي عميقا، بعد نحو عامين من الحراكات الشعبية والثورات، في بنى وهياكل العديد من الدول العربية، بما فيها الأردن، منهيا ما يمكن تسميته مرحلة "ما بعد استقلال الدولة العربية الحديثة"، ومدشنا لمرحلة جديدة، لم تتبلور بعد بصورتها النهائية، ولم تكتمل تفاعلاتها وتداعياتها.
رغم اتساع الجدل والاستقطابات في الساحة الثقافية والفكرية والسياسية العربية، تجاه أحداث الربيع العربي، خاصة بعد توقفه واستعصائه في المحطة السورية بكل ملابساتها واستقطاباتها، فإن لا أحد يختلف اليوم على أن مرحلة جديدة قد بدأت، وإن لم تكتمل بعد مخاضاتها، في تاريخ الدول والشعوب العربية، يمكن تسميتها مرحلة "ما بعد الربيع"، والتي تأتي بعد مرحلة استقلال الكيانات القطرية العربية الممتدة منذ عدة عقود.
من المضلل تقديم تحليلات مبتسرة لأسباب هبوب رياح الربيع العربي، وما تركته من تغييرات صاخبة وثورية في أكثر من بلد، خاصة بحصر أسبابها في قمع سياسي وغياب الحريات العامة، وتردي الظروف المعيشية لشرائح واسعة، أو الذهاب أكثر في عقلية المؤامرة وإسباغ تفسيرات "مؤامراتية" على الثورات العربية، أو رفضها باعتبارها فوضى لم تثمر عن استقرار سياسي وازدهار اقتصادي مصاحب للتغييرات السياسية والإصلاحية، أو جرّت تدخلات أجنبية هنا وهناك.
من الظلم تفسير الربيع العربي، الذي نراهن أنه بدأ ولن يتوقف رغم بعض الانتكاسات، خارج سياق التحولات التاريخية الكبرى، التي لا يمكن حصرها في قمقم السياسة فقط، خاصة وأن مثل هذا الحصر في "السياسي" لا شك سيدفع المراقب أو السياسي إلى الخروج باستنتاجات قاصرة عن فهم اللحظة التاريخية التي يتجلى فيها الربيع العربي.
في البعد التاريخي، وعند استقراء مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي للدول العربية، شكلت النكسة الفلسطينية واحتلال باقي فلسطين والجولان وسيناء في عدوان 1967، نقطة فاصلة، ضُرب فيها التيار القومي واليساري، وحضوره في الشارع العربي، بعد فشل الأنظمة العربية التي حملت فكر هذا التيار، في دول محورية، في التصدي للخطر الإسرائيلي، ما سمح بابتلاع ما تبقى من فلسطين، عوضا عن تحرير ما كان احتل منها العام 1948، الأمر الذي استتبعه صعود نجم التيار الديني في الشارع العربي، وتراجع القومي اليساري، قبل أن تصعد التيارات القُطرية والانعزالية لتتقاسم الشارع مع التيار الإسلامي.
مع ذلك، فإن النظام القُطري العربي لم يسلّم، وواصل نهجه، إلى أن وصلنا إلى نقطة انفجار الربيع، التي تجلت في لحظة إحراق مواطن فقير ومسحوق لنفسه (محمد البوعزيزي) في تونس؛ ولتبدأ صيرورة تاريخية جديدة في الوطن العربي، انتقلت كما النار في الهشيم بين دول محورية وأخرى غير محورية، وهي فترة قد تطول لسنوات قبل أن تستقر نتائجها وتجلياتها.
لم يأت حراك الربيع العربي من فراغ، ولا كان ردة فعل تضامنية مع البوعزيزي؛ هو مخاض بدأ بعد أن انفجرت مكامن فشل النظام العربي والدولة العربية الحديثة لمرحلة ما بعد الاستقلال. فشل في التنمية بمختلف أبعادها الاقتصادية والعلمية والتربوية والاجتماعية، قابله حرص رسمي عربي و"نجاح" في تهشيم المجتمع المدني، ومصادرة الحريات العامة، وتغييب المشاركة الشعبية في السلطة والقرار، واستشراء الفساد، وتعمق التشوهات الاقتصادية والاجتماعية.
كما هيأ التربة المناسبة لموجات الربيع العربي وانطلاق الحراكات الشعبية، فشل آخر ورئيسي للنظام الرسمي والدولة العربية، تمثل في الفشل على صعيد السياسة الخارجية؛ فبعد ضياع فلسطين، وابتعاد آفاق تحريرها (عسكريا وسلميا)، جاء ضياع واحتلال العراق، فيما طال التشويه سيادة واستقلال أغلب الدول العربية، إذ باتت متلقية، ومصالحها على هامش الفعل الدولي والسياسة الدولية، إن لم تكن من ضحاياها.
ضمن هذه الصورة المركبة لفشل النظام والدولة العربيين، يمكن فهم اندلاع حراك الربيع العربي. ولكل ذلك أيضا، يمكن الاستنتاج أن كرة التغييرات الواسعة والعميقة التي أطلقها الربيع، لن تتوقف قبل أن تتجاوز مسبباتها الأساسية، والمتمثلة في فشل الدولة العربية المركّب في مرحلة ما بعد الاستقلال.
أردنيا، ومع الاحتفال بالذكرى الرابعة والستين لاستقلال المملكة، والتي تأتي في ظلال الربيع الأردني والعربي، يبرز استكمال مشروع الإصلاح الداخلي، المتعثر حتى الآن، على رأس التحديات الوطنية، وإنجازه يؤهل الدولة الأردنية للدخول بثقة إلى زمن الربيع العربي، بأقل خسائر ممكنة.

majed.toba@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (ًموسى السكت)

    الجمعة 25 أيار / مايو 2012.
    وفقكم الله اخي العزيز .. ارجو ان يكون ذكرى الاستقلال نقطة تحول حقيقية في الاصلاح التربوي والاقتصادي والا الربيع القادم سيكون له اثار سلبية اكبر على الاردن