الاستبداد الاقتصادي وحقوق المستهلك

تم نشره في الخميس 24 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

عرف المجتمع الإنساني تاريخياً أشكالاً متعددة من الاستبداد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي؛ وبدرجات متفاوتة. ولم ينته الاستبداد مع التقدم الذي أحرزه المجتمع الإنساني، ولكنه تراجع إلى درجة كبيرة في بعض المجتمعات. وعلى الرغم من ذلك، فإن الاستبداد أخذ أشكالاً مختلفة، يمكن وصفها بأنها أقل خشونة من السابق في مظهرها، ولكنها قد لا تختلف كثيراً في نتائجها.
بالطبع، لا يمكن الفصل بين أشكال الاستبداد المشار إليها أعلاه، لأنها متداخلة مع بعضها بعضا. وهناك دوماً من هو مستفيد من الاستبداد ومن هو متضرر. وغالباً ما تكون هناك تحالفات بين الفئات المستفيدة  تحمي بعضها بعضاً، بسبب مصالحها المشتركة.
إن المحرك الرئيس في المجتمع  المعاصر هو القطاع الخاص الذي يتمحور نشاطه حول تحقيق أكبر قدر من الأرباح، والتي تؤدي، في أحيان كثيرة، إلى جشع مفرط من جانب أصحاب رؤوس الأموال. تزايد تسلط رأس المال على العمال والمجتمع أدى إلى وضع ضوابط كثيرة لكبح جماح هذا الجشع، ولحماية المستهلكين والعمال.
وفي الأردن، ومنذ أن تم التحول إلى القطاع الخاص وتنامى دوره في مناحي الاقتصاد كافة، بدأت تظهر لدينا أشكال مختلفة من الاستبداد الاقتصادي المباشر والناعم، وبخاصة الاستبداد بالمستهلكين. وأضرب هنا بعض الأمثلة التي اطلعت عليها أو أشاهدها للتوضيح لا للحصر.
أحد الأمثلة هو على ممارسات بعض البنوك مع العملاء، وبخاصة في حالة الاقتراض. إذ إن أغلب المقترضين هم من المواطنين العاديين الذين يقترضون بضمانة رواتبهم، ويتم ربط تسديد أقساطهم بموعد وصول هذه الرواتب التي يتم تحويلها إلى البنك لضمان الانتظام بالسداد. وهذا حق لا خلاف عليه. ولكن الأمر الذي ليس حقاً، وفيه تعدٍ على حقوق المقترضين، هو ممارسة بعض البنوك الحجز على ما هو موجود في حساب العميل/ الزبون في منتصف الشهر، أي قبل أسبوعين من موعد استحقاق القرض، وهو ما يعني عدم قدرة العميل على التصرف بهذا المبلغ بأي شكل وبأي وسيلة حتى نهاية الشهر. وعند الاستفسار عن ذلك من قبل أحد البنوك التي تمارس هذا الأمر، كان الجواب دوماً أنها عملية آلية محوسبة مرتبطة بتعليمات البنك. إذا لم يكن هذا استبداداً، فما هو الاستبداد؟!
مثال آخر هو على بعض شركات الإنترنت التي تقوم فجأة بقطع خدماتها عن الأفراد أو الشركات الصغيرة، وبطريقة محوسبة أيضاً، بصرف النظر عن مدة الاشتراك وعن الناتج أو الخسائر أو الصعوبات المترتبة عن ذلك.
لا أريد أن أطيل بالأمثلة فهي كثيرة، ولكن الفكرة الأساسية أن كثيراً من الشركات تمارس سلوكيات استبدادية على المواطنين؛ إما بطريقة تقديم الخدمة، أو بنوعيتها، دون أن يكون للمستهلك منفذ لتحصيل حقوقه. وما هو موجود من دوائر خدمة الزبائن أو ضبط الجودة أغلبها للترفيه، ولا تقدم حلولاً لمعظم مشكلات المستهلكين.
لا أريد أن أتجنى على القطاع الخاص، ولكنه يمتلك القوة والبعض يمارسها بتسلط وغطرسة من أجل خدمة مصالحه، ضارباً عرض الحائط بحقوق المستهلكين. وسوف يستمر المستهلكون في المعاناة من تصرفات البعض في القطاع الخاص؛ شركات وأفراداً، ولا توجد طريقة للحد من ذلك سوى بوضع قوانين تضبط تصرفات الشركات، ووجود منظمات مجتمع مدني تدافع عن حقوق المستهلكين.

mousa.shtaiwy@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لاضوابط اخلاقية فى ظل الخصخصة والاحتكار (محمود الحيارى)

    الخميس 24 أيار / مايو 2012.
    فى ظل انعدام التنافس الحر تنعدم الضوابط الاخلاقية وفى ظل الاحكار ايضا والامثلة التى اوردها دكتورنا الشتيوى موسى خير دليل على ذلك.ومن هنا جاءت اوامر سيد البلاد المفدى بضرورة الاسراع فى اخراج التشريعات اللازمة والتى تكفل حقوق المستهلك.كان من الاوجب قبل القيام بالخصخصة التأكد من وجود المنافسة لضمان تقديم الخدمة او السلعة بجودة عالية وباسعار منطقية ومقبولة ومنافسة .نشكر الدكتور موسى على اضافتة والشكر موصول للغد الغراء.
  • »حكم القانون مرة اخرى (يوسف)

    الخميس 24 أيار / مايو 2012.
    وهنا تكمن قوة التنافس الشريف فأنت لا تستطيع الاستبداد طالما هنك بديل سواء البنك او مقدم خدمة الخلوي او الانترنت او حتى المخبز الذي تشتري منه. ولكن مع غياب القانون والشفافية تكمن المصيبة بحيث تتكون مافيا لكل مجال من مجالات الحياة كونها لاناس فوق القانون مما يؤدي الى انهيار النظام الأخلاقي للناس جميعا.
  • »فشيت خلقنا يا دكتور، عنجد الحكي ما بيخلص في هالموضوع (رندة الحصن)

    الخميس 24 أيار / مايو 2012.
    معك حق يا دكتور، نعم البنوك وشركات الانترنت أمثلة أساسية، فكثيراً ما تقوم البنوك بفرض غرامة على الحساب غير المتحرك لفترة زمنية أو إذا وصل الرصيد فيه دون حد معين وهذا الأمر لا أفهمه (سرقة عيني عينك)؟ كما أن شركات الانترنت تقوم بتنزيل سرعة الأنترنت بعد أن يستهلك المشترك جزء أو كل المخصص له من وحدات التخزين (البايت) وطبعاً حتى يجبروك على أن تغير إلى عروض شراء وحدات التخزين الاضافية. طبعاً التليفون الأرضي عليه اشتراك ولا يمنحك هذا الاشتراك أي دقائق مجانية للاتصالات المحلية (كما كان قبل الخصخصة). تخيل في عصر سرعات النت الرهيبة ما زال سعر الاشتراك السنوي لسرعة واحد ميغابيت لا يقل عن 220 دينار (بعدين بيقولوا خصخصة وتنافس). المذهل أن المواقع الالكترونية لشركات النت هي من أضعف "وأهمل" المواقع الالكترونية وطبعاً جزء كبير من العروض لا يطهر على تلك المواقع. طبعاً لن أتحدث عن تأهيل وقدرات الأشخاص في مراكز الاتصال للمساعدة في المشاكل الفنية التي يواجهها الزبون (بتحس كما إنهم مش طايقين حالهم وكأن ظروف العمل عندهم غير مناسبة). بكفي!
  • »هذا مش استبداد (اردني بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    الخميس 24 أيار / مايو 2012.
    شركات القطاع الخاص لما توقف خدمتها او تحجز راتب المديون بتعمل هيك عشان تحصل حقوقها .
    لكن شو اللي بخلي الواحد مش قادر يدفع قسطه ولا يسدد فاتوره النت والكهربا والمي
    ؟
    انا بحكيلك !
    طفره وجيبته الفاضيه هي اللي بتخليه مش قادر يدفع هالمسكين التزاماته الشهريه , لانه حكوماتنا الرشيده ماصه دمه ومش مخليته يتنفس , غلا ورا غلا , الله يعينه على هالحياه كيف بده يلحق, قولوا امين .