د.أحمد جميل عزم

الحلف الإسرائيلي القبرصي.. الغاز والإسلاميون

تم نشره في الأربعاء 23 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

تقول سيدة فلسطينية تعيش في قبرص منذ نحو عشرين عاماً، إنّها تلحظ مؤخرا عددا متزايداً من الشبّان الإسرائيليين يبيعون منتجات البحر الميت في المجمّعات التجارية ومحلات السوبرماركت في قبرص، وتمتلئ في الوقت نفسه فنادقها ومتاجرها بالعاملين القادمين من أوروبا الشرقية، لا بل إنّ هناك جيلاً جديداً من القبارصة يمثل نتاج موجة زواجهم مع القادمين من الاتحاد السوفياتي السابق في التسعينيات.
هذه خلفية اجتماعية اقتصادية سياحية تُلاحظ على هامش تحالف عسكري وخريطة سياسية تتشكل، وأحد سيناريوهاتها الممكنة قيام تحالف روسي-يوناني-قبرصي-إسرائيلي ضد تركيا، وربما لبنان. والسبب الآن هو الخلاف حول ثروات غاز ونفط ضخمة، اكتُشفت في مياه شرق المتوسط، وتدّعي كل من قبرص وإسرائيل ملكيتها، مع مطالب لبنانية بنصيبها، وربما كذلك فلسطين، وتحديدا قطاع غزة.
 ولولا الوضع السوري، فلربما كان تحالفٌ تركي-سوري-لبناني-فلسطيني أمراً متصوّراً.
تقدّر كميات مصادر الطاقة المكتشفة حديثاً في مياه شرق المتوسط بنحو 1.7 مليار برميل بترول، و122 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وأول من أمس، بدا أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة بخبر نشرته وسائل إعلام تركية، وأنكرته إسرائيل، عن عزم الأخيرة نشر قوات عسكرية في اليونان لحماية عمليات التنقيب والاستخراج القبرصية للغاز. ويعكس هذا الخبر حالة الاستقطاب المتزايدة في المنطقة، خاصة أن قبرص وإسرائيل وقعتا العام 2010 اتفاقية تأسيس منطقة اقتصادية مغلقة عليهما. ونتيجة لهذه الاتفاقية، وقّعت الدولتان اتفاقيات مع شركة واحدة، هي الأميركية "نوبل"، للاستكشاف في مياههما الإقليمية. والباب مفتوح للتوقيع مع شركات أخرى، لا يُستبعد أن تكون روسية وصينية.
تريد تركيا الحفاظ على مصالح، وما تراه حصة لقبرص التركية، أي الجزء الذي احتلته قواتها العام 1974. وتبدو قبرص ومعها اليونان، على اتفاق وتحالف مع إسرائيل.
وتصطف روسيا إلى جانب اليونان، بهدف زيادة احتمال دخول شركة "غاز بروم" الروسية، كجزء من التحالف لتصدير الغاز إلى أوروبا، والحصول على حصة في الثروة الجديدة. ومن هنا نفهم انتقاد موسكو مؤخراً نية تركيا استكشاف الغاز حول جزيرة قبرص المقسمة.
في الأثناء، يعتقد لبنان أنه شريك في الثروة الغازية، خصوصا في مساحة تقدر بنحو 850 كيلومترا مربعا من الحدود البحرية، وتتنازع عليها مع إسرائيل، ويتوقع أن فيها مصادر غازٍ ونفط كبيرة. وبينما تحاول الحكومة اللبنانية الوصول إلى اتفاقيات مع قبرص، فإنّ الأخيرة تقول إنّ نقاش المطالب اللبنانية يجب أن يكون ضمن إطار ثلاثي يضم إسرائيل، التي تسرّب رسائل أشبه بالابتزاز لبيروت، فتطالب بمفاوضات مباشرة حول الثروة، في حين يهدد حزب الله بمواجهة لمنع الانفراد أو الانتفاع الإسرائيلي من ثروة لبنانية. وكان يمكن تخيل دور سوري يطالب بحصة في الثروة المُكتشفة في البحر، لولا المأزق الراهن. ولكن صعود الإسلاميين المحتمل للحكم في مصر وتونس وغيرهما، يعطي اللحظة التاريخية معاني مختلفة ومعقدة. وحتى إيران يمكن أن تدخل المشهد، خصوصا لدعم حزب الله، ولأن تحالفا يونانيا إسرائيليا قد يدخل ضمن خطط ضربها عسكريّا.
مساحيق تجميل البحر الميت في المجمعات التجارية القبرصية، والعمالة الأوروبية الشرقية، على ضآلة أهميتها، ربما تعني كيف تحولت قبرص إلى ملجأ سياحي وتجاري للإسرائيليين، بعد تدهور العلاقات مع تركيا. وحقيقة التمايز الديني والثقافي في الانقسام حول الغاز المكتشف، وصعود الإسلاميين، يعزز فرضيات القائلين بصدام الحضارات.  
لكن سيناريوهات أخرى ممكنة؛ فقد نما التبادل التجاري بين إسرائيل وتركيا رغم توتر العلاقات، وزادت صادراتها إلى إسرائيل العام 2011 بنسبة 20 %، لتبلغ 2.17 مليار دولار، مقابل 1.8 مليار دولار العام 2010. وارتفعت الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا بنسبة 42 %  (1.85 مليار دولار). ومن المهم تذكر أن إسرائيل دخلت مع تركيا في حوار العام 2007 لمد خط أنابيب طوله 460 كيلومتراً، من جيهان التركية إلى حيفا، ولكن تحول إسرائيل إلى اليونان لم يعن فقط أن فرصة اقتصادية قد ضاعت، بل وأنّ خطراً استراتيجيّا يتشكل ضد أنقرة. إلى ذلك، فإنّ أولويات الإسلاميين القُطرية قد تحد من احتمالات سيناريو يتحالفون فيه مع تركيا، وعلاقات روسيا وإيران عميقة أيضاً واستراتيجية.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال في الصميم يا أستاذ (منتصر الفهمان)

    الأربعاء 23 أيار / مايو 2012.
    أستاذي الفاضل مقال في الصميم وتحليل مرعب جدا لكامل المنطقة كأني أسمع روبرت فيسك يتكلم بلا مزاودة عليك لكن هناك تعديل بسيط جدا لعله فاتك يا أستاذ ، الملاحظة هي فقط أن تركيا لم تحتل قبرص التركية بل هي استعادت ما أستطاعت إستعادته من قبرص فأصلا الحوض المتوسطي من غابر الزمن مرورا بدولة الروم ومرورا بدولة الخافة الراشدة وحتى دولة بني العثمان العثمانية اعتبر حوضا تركيا محضا بلا نزاع ومخالفة فلا عليك أن تستعمل هذا المصطلح " إستعادة " بدلا من احتلال وهو الموافق للتاريخ يا أستاذنا الكبير وشكرا لكم جدا على هذا المقال