د.أحمد جميل عزم

سريالية القدس: فشل صهيوني ونزف عربي

تم نشره في الثلاثاء 22 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

ما يحدث في القدس، مع اقتراب الذكرى الخامسة والأربعين لاحتلال الجزء الشرقي منها، يوضّح حالة العبثية المحيطة بها؛ ليس من الجانب العربي فقط، بل وبين اليهود أنفسهم. والعبثية هنا تعني تشتت الجهود، وفشل السياسات. والنتيجة، مدينة تملؤها القذارة والفوضى والأمراض الاجتماعية والصراع. لم ينجح الاحتلال في تهويدها، أو سار التهويد فيها معاكسا لهوى الصهاينة، بينما تُستنزفُ عروبتها، رغم الصمود.
في المشهد من الزاوية الفلسطينية/ العربية؛ كشف تقرير صدر قبل أيام عن جميعة الحقوق المدنية في إسرائيل، أنّ نسبة 84 % من الأطفال الفلسطينيين يعيشون في المدينة تحت خط الفقر. وبسبب نقص عدد الغرف الصفية، فإنّ 40 % من الطلبة الفلسطينيين يتسربون من التعليم قبل وصول الثانوية العامة. ويتكدس العرب في بيوت ضيقة، ويُمنعون من البناء؛ فبحسب إحصاءات العام 2009، كان 22 % من المنازل التي يسكنها اليهود فيها شخص واحد، بينما النسبة 4 % في حالة البيوت العربية. وفي البيوت التي يسكنها 7 فأكثر، كانت النسبة 1 % بين اليهود، و29 % بين العرب.
في المشهد العربي أيضا، انشغل كثيرون في الأيام الماضية بموضوع زيارة القدس، وهو موضوع نظري في جزء كبير منه، لأنّ الغالبية العظمى من العرب لا يسمح لهم بزيارة القدس، ولا يزورونها إنْ استطاعوا، لأسباب سياسية وأمنية واقتصادية كثيرة. وقد صدر في الأيام الماضية، أو أُعلن عن صدور كتب، وتنظيم مؤتمرات وندوات (وليس مجرد مقالات) تناقش موضوع زيارة القدس، منها ما يؤيد ومنها ما يعارض، دون نتيجة عملية متوقعة للنقاش؛ فقرار الزيارة بيد إسرائيل، وإسرائيل لن توافق على تدفق عربي وإسلامي للمدينة بأي حال. وفي الوقت نفسه، مرّت المظاهرات الصهيونية في القدس أول من أمس، واجتياح باب العمود وأحياء المدينة من مسيرة "أعلام إسرائيلية"، وسط إغلاق المحلات التجارية العربية بقرار الجيش الإسرائيلي، دون ملاحظتها تقريبا في الإعلام العربي؛ فقد غابت المسيرة واقتحام عشرات المستوطنين للحرم الشريف عن نشرات الأخبار الرئيسة في العالم العربي، المنشغلة بقضايا الربيع العربي.
إلى ذلك، وعلى الجانب الإسرائيلي، فإنّ المدينة ما تزال موضوعا للانقسام والجدل الداخلي، كما ما يزال الفشل في إدارة المدينة ظاهرا. فبحسب تقرير أصدره معهد القدس للدراسات الإسرائيلية، هذا الأسبوع، فإنّ "القدس ما تزال المدينة الأفقر في إسرائيل"، ونحو 33 % فقط من الطلبة الإسرائيليين يصلون التعليم الثانوي. والسبب الرئيس في هذا أنّ عددا كبيرا من العائلات اليهودية الأصولية (الأرثوذكسية) ترفض تعليم أولادها التعليم الحكومي الرسمي. وبحسب مقال كتبه الحاخام اليهودي شمولي ينكلويتز، المحاضر في جامعة كولومبيا الأميركية، والذي وصفته مجلة نيوزويك الشهر الماضي بأنّه أحد الحاخامات الأكثر تأثيرا في الولايات المتحدة، فإنّ "القدس تصنّف بأنّها واحدة من أكثر المدن فساداً في العالم. وقد اعتقل أكثر من رئيس سابق لها بتهم تتعلق بالفساد. وتعاني ضعف سلطة القانون، وعدم احترام الحد الأدنى للأجور، والاتجار بالبشر، والتعذيب.. إلخ".
تبلغ نسبة الفلسطينيين في المدينة نحو 38 %، وعددهم نحو 360 ألفا، مقارنة بـ26 % العام 1967. وقد فشلت كل سياسات إسرائيل في تهويد المدينة. وواقع الأمر أن الزيادة الطبيعية من خلال الولادات تكاد تكون متساوية بين الفلسطينيين واليهود، خصوصا مع ارتفاع الخصوبة في الأسر اليهودية المتدينة، ولكن ما يصنع الفرق هجرة اليهود من المدينة؛ فهناك اتجاه دائم ومتزايد ليهود يهاجرون من المدينة أكثر ممن يدخلونها، والسبب أولا هرب العلمانيين من الأصوليين، وثانيا قلة فرص العمل، وفقر الخدمات والنظافة في المدينة. فقد ترك القدس نحو 400 ألف يهودي بين العامين 1980 و2010، بينما انتقل إليها نحو 285 ألفا.
وجاء في مقال في صحيفة جيروزالم بوست، العام 2005: "القمامة والقذارة تملأ شوارعنا(...)، ويمتد الفقر في أحيائنا كالطاعون، والنزف (السكاني) للضواحي وتل أبيب وما حولها يستمر".
القدس ليست صهيونية كما حلم الصهاينة بها، فهي رمز انقسام يهودي داخلي. وقد تحولت بسبب الجدار والطرق الالتفافية إلى مدينة غير طبيعية بأي مقياس، حتى بالنسبة لليهود.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الوقف العائلي والأسلامي في القدس (د.عاصم الشهابي)

    الثلاثاء 22 أيار / مايو 2012.
    أضيف لمقال كاتبنا د. عزم التالي: من المهم للحفاظ على عروبة وإسلامية القدس أن تعمل دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس والتي تشرف وتمولها الحكومة الأردنية على التعاون المخلص مع عائلات القدس القديمة والتي تسكن فيها منذ أيام تحريرها من الفرنجة للحفاظ على الوقف ومنع تسرب أي عقار للغرباء المحتلين. وهنا يجب أن نشكر ونقدر جهود مؤسسة التعاون التي تقوم بمهمة صيانة بيوت القدس القديمة.