د.أحمد جميل عزم

ذات خيمة

تم نشره في الجمعة 18 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

عندما كانت تتاح لمحمد أبوكرش في زنزانته صحيفة فيها صورة شهيد، كان يبحث عمّا يرسم به صورته. وعندما خرج أبو لميس من الاعتقال بعد نحو عقدين من الزمن، صار يتتبع صور الشهداء يرسمها بالألوان ويرسلها لأهاليهم. وعندما استشهد قائده أبو علي مصطفى، رسمه في جدارية مربعة كبيرة ضلعها أربعة أمتار.
عندما أقيمت قبل نحو شهر خيمة في مجمع النقابات المهنية في عمّان، تضامنا مع الأسرى، مضى يوم واثنان وثلاثة، والخيمة شبه خاوية، تؤمها عائلات الأسرى، وقلة من الناشطين.
مرّ شبابٌ بالخمية، تساءلوا لماذا هي خاوية؟! وتناقلوا الدعوة على "الفيسبوك": "دعونا نعمرها". بدؤوا يرتادونها، وتجربة الربيع العربي ماثلة أمام عيونهم. اقترح أحدهم الإضراب التضامني عن الطعام، وبدأ التجاوب (عمّروها بالجوع)، وضخوا حياةً في دماء عائلات الأسرى والناس. وضعوا رسومات على "الفيسبوك" تدعو للتضامن جوعا، وبدأ طلبة جامعات، وإعلاميون شبّان، وناشطون، يؤمّون الخيمة ويتناقشون فيما يجدر فعله، بينما يواصلون أعمالهم ودراستهم.
يقول لي أحدهم إنّ البداية الحتمية في حراكات الشباب العربي هي "الفيسبوك"، ويقول إنّ شباب الشبكات هم أشبه بقادة الرأي الجدد، ولكنّ الأمر الحاسم هو الانتقال من "العالم الافتراضي" إلى الواقع. ويقول إنّ المعيار هو الدعوات (Events). ويضيف: رغم أن الإعلام ومحطات التلفزة بدأت تهتم بنا، وتزورنا في الخيمة، إلا أنّ استخفافهم بإضرابنا كان واضحا، حتى في أصوات الصحفيين، إلى أن قررنا مسيرة "الرينبو"، فاختلف تعاطي الإعلام.
استلهموا فكرة جماعة "كلنا خالد سعيد" في مصر، وتجربتهم دعوة الناس في الاسكندرية للاحتجاج بطريقة بسيطة؛ بارتداء ملابس من لون معين، والذهاب فرادى وفي جماعات صغيرة  للكورنيش، في ساعات محددة. استمرت الفكرة أشهرا في مصر، وكان التجاوب معها واستمرار اتساعه، مؤشر جاهزية الشارع للحراك. يقول الشباب المتضامنون مع الأسرى، إنّ فكرة الدعوة لسلسلة بشرية صامتة، تسير على الرصيف بهدوء في شارع الرينبو يوم الجمعة الماضي، كانت ناجحة جدا في لفت النظر للتضامن، وجلبت الإعلام بقوة. وأعتقد أن شيئا شبيها حصل عندما قررت مجموعة أخرى في رام الله أن تنزل للشوارع توزع على الناس "مي وملح"، لتذكرهم بما هو غذاء الأسرى. ولمجموعات كثيرة تجارب شبيهة، لا يسعني الإحاطة بها.
بدأت خيمة النقابات بالتحول إلى مدرسة ومنبت للحراك، ولما سيصبح ذكريات فارقة في حياة أبطالها. يَقول الشباب إنّ الرسوم التي أعدّها شاب في عمّان باللون البني عن الأسرى قد استخدمت من 22 مليون شخص على "الفيسبوك"، خاصة بعد أن تبنتها مواقع "مليونية" مثل صفحة خالد سعيد.
أسعَدَ التضامن أهالي الأسرى، ولكنهم كانوا أيضا حافزا. ويخبرنا الشباب كيف كان والد الأسير القائد عبدالله البرغوثي، المحكوم 67 مؤبدا، يرفع معنوياتهم إذا ما فترت عزيمتهم، وكيف كانت ابتسامته وبشاشته ومواظبته في الخيمة تحيّرهم. وكذلك والدة الأسير مرعي أبو سعيدة (11 مؤبدا) الصامدة بلا كلل.
يقولون إنّ الربيع العربي أخرج الشباب من حالة الإحباط؛ فأصبح هناك إقبال على التعلم والفهم، أصبحوا يسألون عن المواد والأحكام الدستورية والقانونية، وأصبحوا يجتهدون في البحث عن أدوات التغيير السلمي. وكذلك كانت حملة التضامن مع الأسرى مناسبة لشرح قضية فلسطين وخصوصا قضية الأسرى. ويقولون ربما هي بداية متواضعة ولكنها بداية.
تجربة الربيع العربي، برأي الشباب، بدأت ولن تتوقف، وهي متشابكة مع بعضها. فقد كان شباب عمّان على تواصل مع شباب داخل فلسطين، قام أحدهم بتوصيل تفاصيل التضامن العمّاني مع الأسرى، فردّ أسير التحية بإرسال رسم لخيمة تضامن، عليها علم أردني، وحولها طيور محلّقة.
قال لي أحدهم، وهو يحتسي قهوته على نهر أوروبي: متى يمكن أن نشرب القهوة ولا نتذكر قول محمود درويش "فكّر بغيرك"، ولا نتذكر أسرى محرومين من فنجان قهوة؟! وأضاف: ولكن أتعرف؟ درويش قال: "لا تنسَ شعب الخيامْ"، وقال: "بيروت خيمتنا". وسألني: ما هذه الخيام؟ بدأنا بخيمة لاجئ، تحولت إلى مدرسة، وتلاميذ أصبحوا مهندسين وأطباء ومقاتلين. ولدينا مناضل يرسم في النقب، وشبابٌ يرسم ويتحرك في كل المدن، يشكلون بتواصلهم الافتراضي وفي الواقع نسيج خيمتنا الأخيرة.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق