جهاد المحيسن

"خماسين" حرب الطوائف تهب!

تم نشره في الأربعاء 16 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

وقع المحذور، وبدأت تباشير حرب الطوائف تظهر للعيان. العراق فعلت فيه حرب الطوائف ما فعلت بسبب المحتل الأميركي وملالي إيران، وأنصار المذاهب السلفية. وفي سورية ولبنان الآن، فإن مشهد قتال الشوارع في طرابلس يعيد إلى الأذهان مسلسل تفكيك المنطقة وتجزئة المجزأ مرة أخرى، وهذه المرة بفعل رياح الخماسين التي هبت مبكرا على ربيعنا العربي، وبدأت تحصد هذا الربيع الذي تفاءلنا به خيراً.
سورية الكبرى (الأردن، فلسطين، لبنان، وسورية) صورة مختلفة عن باقي أرجاء الوطن العربي؛ فهي مهد الأديان والفرق والتنوع العرقي والمذهبي. مزيج قل نظيره في أي بقعة أخرى في العالم. وقد تعايش إقليم الشام عشرات القرون ضمن هذا السياق الذي تحترم فيه طبيعة هذا التنوع. ورغم ما حدث من توترات فيه على مر تاريخه الطويل، إلا أن فكرة المكان وطبيعة قيمه السائدة فرضت نمطا من التعايش الخاص بين أفراد مجتمعاته، شَخصها الراحل أنطوان سعادة في ما عرف عنه بـ"المتحدات الجغرافية".
وللمتحد مفهومان رئيسان؛ إذ يمكن أولاً أن يعني تجمعاً اجتماعياً محلياً مكوناً من عائلات تسكن الأرض الجغرافية نفسها، وتتشارك الثقافة نفسها، مثل القبيلة، والقرية، والمدينة. وثانياً، يعني شكلاً تجمعياً ضيقاً، فيه روابط وظيفية شخصية وعاطفية بين أعضائه، ويكون الاعتماد المتبادل عميقاً جداً، مثل العائلة، والمذهب الديني، متحدات حياة أو متحدات إنتاج. أما مفهوم الجماعة أو المجموعة فهو مفهوم أكثر ضبابية، ويشكل المدخل التفكيكي لفكرة الدولة والأمة وحتى الطائفة ذاتها، وهذا الذي يسهّل ولادة العنف.
ما جرى حتى الآن لا يبشر بالخير. فتحول المشهد السوري من مشهد سلمي للتغيير إلى مشهد دموي، وتحوله من نقمة على نظام سياسي إلى احتراب طائفي، يخفي مضامين خطيرة تجر الاقليم بأسره الى هذا المربع. والمخيف في رياح الخماسين التي هبت علينا أنها قد تكون البداية فقط؛ فالحرب الأهلية الكامنة في لبنان وسورية بدأت طبول حربها تدق، والنتيجة هي الخراب لعقود طويلة، لا يعلم إلا الله متى ستنتهي. ولن تكون الحرب على مستوى الشيعي والسني فقط، بل ستجر إليها المسيحيين أيضا. وسنشهد حروبا وتحالفات مع هذا الطرف أو ذاك، ما يعني أن أبواب الجحيم قد فتحت!
ربيع مخيف عندما يتحول من سيناريو التغيير السلمي للسلطة والحفاظ على سلامة المجتمع إلى سيناريو دموي طائفي لا تأمن فيه العقرب صاحبها. ومن جديد نعيد قراءة التحول الذي جرى على مسيرة الربيع العربي، من صعود في الأمنيات نحو المستقبل الديمقراطي الواعد وسيادة دولة القانون والمؤسسات، إلى هبوط اضطراري في مستنقع حرب الطوائف. ولبنان وسورية وكل المنطقة ستكتوي بهذه النار، نتيجة للعبث الذي مارسته سلطة المال الداعمة لهذا التحول الدموي، وبسبب السلطات السياسية الحاكمة التي تشبثت بموقعها حتى سمحت للآخرين بفتح أبواب جهنم، والمعارضات المدفوعة الثمن عندما لعبت على ورقة الطائفة!

التعليق