د.أحمد جميل عزم

ربما أنجح إضرابات الحركة الأسيرة في فلسطين

تم نشره في الثلاثاء 15 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

مقارنة بالإضرابات السابقة، ربما يكون الإضراب الحالي هو الأنجح في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة، من حيث التنظيم والبناء التدريجي للتعاطف. ولكن الترقب الآن لمرحلة جني الثمار.
على الصعيد الإعلامي، شهد يوم أمس قفزة هائلة في اهتمام الصحافة الإسرائيلية والعالمية بالإضراب. فبعد حالة التجاهل، بما في ذلك في الصحافة الإسرائيلية، أصبح هناك آلاف الأخبار حول العالم، وفي كبرى الصحف العالمية، يوميّا. ومن ناحية الفعاليات التضامنية، هناك اتساع وتشبيك ومأسسة للنشاطات، وطرق إبداعية؛ فمن شباب يوزعون الملح والماء في مقاهي رام الله لاستفزاز الشارع للتحرك، إلى شباب يضربون عن الطعام ويسيرون سلسلة بشرية صامته، بقمصان موحدة في شارع الرينبو في عمّان، إلى ضغوط على نواب بريطانيين ليوقعوا على عريضة ترسل إلى الحكومة البريطانية احتجاجاً ضد إسرائيل، إلى لجان شبابية تجتمع في مدن مغربية عدة، ويصعد شباب مغاربي لزرع العلم الفلسطيني على جبل توبقال الأعلى في شمال أفريقيا.. وغير ذلك الكثير.
وعلى المستوى السياسي، أصبح الإضراب محور الاتصالات الرسمية للقيادة الفلسطينية مع مصر والعالم، وأُجبرت إسرائيل على تجديد التفاوض لاستكمال اتفاق صفقة إطلاق الأسرى مع حركة "حماس" مقابل إطلاق الجندي جلعاد شاليط، والتي نفذت العام الماضي.
على المستوى التنظيمي، ثبّت الإضراب أسسا عدة، أولها أنّه قطع الطريق على أيّ مفاوضات تجريها إدارات السجون مع معتقلين قياديين من خارج إطار لجنة الإضراب المركزية. وهذا تكتيك لطالما لجأت إليه إدارات السجون، وكان ينجح أحيانا في خلق بلبلة. وأصبح واضحاً أنّ هناك لجنة مركزية يرجع إليها الجميع. وانسحب هذا الأمر على المفاوضين خارج المعتقلات، من مسؤولين رسميين وفصائل؛ فقد تطورت آلية تجعل من اللجنة المركزية المرجع الأخير لمناقشة وإقرار أي اتفاق.
كذلك، هناك تكتيكات الإضراب، سواء أكانت مخططة أو عفوية مميزة. فقد مهّد إضراب خضر عدنان وهناء الشلبي الطريق، وهيأ الرأي العام. وحقيقة إضراب عدد قليل من الأسرى منذ أكثر من 77 يوما، بينما غالبية الأسرى منذ حوالي 28 يوما، أدّت إلى عدة أمور؛ أولها إيجاد رموز إنسانية لانتفاضة الأسرى. فمن أكثر الأمور التي يمكن أن تحرك الرأي العام وجود قصص إنسانية مؤثرة، وهناك الآن رموز للإضراب، منهم بلال ذياب وثائر حلاحلة، باتت قصصهم وأوضاعهم العائلية موضوع تغطيات صحفية. ونجحت فكرة كتابة الأسرى وصاياهم وإرسالها إلى أهاليهم في زيادة جرعة الحافز الإنساني في تحريك الشارع. وإذا ما تواصلت قصص من هذا النوع ووصلت الرأي العام العالمي، فستمنح الأسرى وحراكهم زخماً كبيراً.
ما يحدث هو انتفاضة الأسرى: هناك قيادة وطنية موحدة تجمع الأطياف السياسية المتباينة، وبرامج عمل متفق عليها، وآليات اتصال، وأهداف محددة، وأذرع إعلامية، ودبلوماسية داعمة، وعملية تضامن دولي تتسع تدريجيّا.
توضح هذه الاستراتيجيات جميعها إمكانية نُضج آليات عمل فلسطيني جديدة، بعيدا عن التنسيق الفصائلي على مستوى قمة الهرم التنظيمي، والمبادرة بدلا من ذلك ميدانياً إلى برامج بأهداف محددة، بحيث تكون هناك حملات وموجات من المقاومة تتكامل مع بعضها ضمن برنامج وطني لتفكيك الاحتلال، وتفرض أجندتها حتى على المستويات القيادية، وتتفاعل دون كثير من التنظير والجدل حول نوع وجدوى أشكال المقاومة المختلفة.
إلى ذلك، وبحسب تجارب سابقة، فإنّ أطر التضامن التي تنشأ في وقت ما يمكن أن تتطور وتصبح مؤسسات وأطر عمل دائمة. لذلك، فإن حراك الأسرى ربما يحرك الكثير من التفاعلات المستدامة للتضامن.
ليست هذه أول إسهامات الحركة الأسيرة سياسيا في السنوات الأخيرة، فما يحصل الآن من تحرك منسق، لا ينفصل عن تجربة وثيقة الأسرى في مثل هذا الوقت تقريبا العام 2006، والتي حددت تصورات للحركة السياسية الفلسطينية كلها، مما يعني أننا أمام حركة تتطور وتتجذر.
لقد نجحت مجموعات شبابية تناهض الانقسام العام الماضي في فرض حراك سياسي، ربما كان محدودا وأنتج اتفاقيات مصالحة بين "فتح" و"حماس" لم تسفر عن شيء، ولكن يمكن رؤية ما يحدث الآن، كهذه المبادرات، على أنّه إرهاصات قد تنتج المزيد، وتنتج حركة وطنية من نوع آخر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احتفال النصر (بديع الدويك)

    الثلاثاء 15 أيار / مايو 2012.
    الاخ الدكتور جميل عزم,,,,ما اروع الذي تكتبه وانت لصيق في خط الوحده الوطنية,,, وما اروع المشهد ليلة امس عندما انتهت مسيرة المشاعل التي انطلقنا بها نطوف شوارع مدينة الخليل وتنتهي باحتفال كبير كانت فيه جميع الفصائل الوطنية حاضرة,,,,, وما اروع الكلمات التي قيلت واكدت على الوحدة الوطنية من متحدثين حمساوين وفتحاويون وجبهاويون وغيرهم,,,, كان مشهد افتقدناه منذ زمن,,, يا ليتها تكون المقدمة ويا ليتها المعادلة التي سوف تقلب كل شيء راس على عقب,,,, استمر الاحتفال لمنتصف الليل ليتواصل اليوم بمسيرات العودة في ذكرى النكبة. كل الاحترام
  • »قبل الاتفاق (احمد عزم)

    الثلاثاء 15 أيار / مايو 2012.
    عند إرسال هذا الاتفاق للنشر لم يكن نبأ اتفاق صفقة الأسرى قد أعلن..ربما يمكن القول الآن إنّه أنجح الإضرابات