د.أحمد جميل عزم

رهانات الأسرى

تم نشره في الاثنين 7 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

يستطيع الأسرى في سجون فلسطين المحتلة، ودون عناء، تعداد مجموعة ظروف ومتطلبات تساعد في نجاح إضرابات الطعام، أو تؤدي إلى تقليل فرص نجاحها. وذلك نتيجة خبرتهم في الإضرابات منذ مطلع السبعينيات على الأقل.
أضرب الأسرى هذه المرة لتحقيق مطالب تتعلق بتحسين ظروف الاعتقال، وإنهاء حالات الحجز الانفرادي، وأمامهم حقيقتان: الأولى، أنّ إضرابات فردية بادر إليها المناضل خضر عدنان، ثم هناء الشلبي، وأسرى آخرون، وخصوصا بلال ذياب وثائر حلاحلة، الذين مضى على إضرابهم نحو 70 يوما، أحدثت زخماً لقضية الأسرى.
أمّا الحقيقة الثانية، فهي أنّ استعدادات بدء الإضراب لم تُستكمل. فمن جهة، لم يتم التوصل إلى اتفاق تام بين الأسرى حول البدء بالإضراب وعملية إدارته. ومن جهة أخرى، هناك خللٌ كبير في آليات التضامن خارج السجون، وخصوصا دوليا وعربيّا، وعدم وجود آليات عمل واضحة في هذا الشأن. وراهن الأسرى، كما يبدو، على أن يخلق إضرابهم زخماً يؤدي إلى تجاوز هذه المشكلات، وهناك مؤشرات على أنّه تجاوز جزءا لا يستهان به بالفعل.
ليس الإضراب عن الطعام عضّ أصابع متبادلا، بل هو أقسى وأكثر؛ فالجائع الذي يضغط على السجان بجوعه، يتألم أضعاف سجّانه الذي يريد كسر إرادته بشواء اللحم على مقربة منه، ووضع أكواب "الرز بحليب" على طاولة ساحة يصطف فيها الأسرى، أو يأتي بهم فرادى، عساه يكسر صمودهم. ويحاول المعتقلون بإضرابهم إعلان عدم الاستسلام لإرادة السجّان، وكسر نظامه، حتى وإن كان بالاتجاه نحو أقصى مما يريده الجلاد. فإدارة السجون الصهيونية تقلل كميّة الهواء الذي يستنشقه الأسرى إلى الحد الأدنى الممكن، وتحتسب الحد الأدنى لكمية الطعام الذي يبقي السجين على قيد الحياة، وبأسوأ نوعية ممكنة، فيُضرب الأسير ويرفض الطعام، أي انّه يرفض الحد الأدنى باختيار ما هو أدنى منه، مراهناً على إرباك السجّان الذي لا يضع الموت الاحتجاجي السريع المعلن في خططه، بل يريده بطيئا. ويهدف الأسرى إلى أن يعيشوا حياة فيها الأدنى الحقيقي، التي لا تجعلهم مجرد كائنات تتنفس وتموت ببطء. وهم يراهنون أيضا على حراك مساند من خارج المعتقلات لمناصرتهم وتصعيد المواجهة ضد الاحتلال.
إحدى وسائل تقليص المعاناة، وزيادة الضغط على السجّان، بدء فعاليات التضامن بزخمٍ كبير قبل دخول الإضراب. وبكلمات أخرى، فإنّ الحروب التقليدية في الزمن الغابر كانت تبدأ بكثير من قرع الطبول، ونفخ الأبواق، تهيئة لجو الحرب وإرعاباً للخصم. وكان المؤمل أن لا يبدأ الأسرى إضرابهم إلا وقد قرع العالم الطبول، ولكن ما يحدث أنّ الأسرى يبدأون، ويراهنون على من في الخارج لفعل ما يلزم لاحقاً.
وفي تجارب الماضي، فإنّ إدارة السجون الصهيونية تحاول تفتيت إرادة المعتقلين بالتفاوض مع كبار الأسرى، ممن لهم أهميتهم في الفصائل وبين المعتقلين، ولكنهم ليسوا ضمن اللجنة المركزية المتفق عليها لإدارة الإضراب. والهدف من ذلك خلق حالة إرباك. وفي كثير من الأحيان تصل إلى صفقات متواضعة مع هؤلاء، ويتم تسريب خبر إلى الخارج بأنّ الإضراب حقق مطالبه أو بعضها، فيفك أسرى إضرابهم ويتوقف تصاعد زخم التضامن في الخارج، كما تجري محاولات لتلبية مطالب معتقل دون آخر، لضرب وحدة الأسرى.
يشير المشهد مع اليوم العشرين تقريبا للإضراب، إلى أنّ وحدة الأسرى تتعزز، وأنّ محاولات لمفاوضات موازية بعيدة عن لجنة الإضراب المركزية تفشل، وأنّ حراكاً شعبيّا مُهماً قد حدث في الشارع داخل فلسطين، وأنّ مؤسسات عربية كجامعة الدول العربية بدأت بوادر حركة، بينما ما يزال التضامن في العواصم العربية، وحتى على المستوى الشعبي، في بداياته، وما يزال بعض الناشطين في حيرة من أين يبدأون، ولكن هناك اهتمام شعبي متزايد تعبر عنه شبكات التواصل الاجتماعي التي تدعو إلى حراك ميداني.
هناك فرصة حقيقية الآن للبدء بحراك شعبي عربي وعالمي، متضامن مع الأسرى، وبسرعة، على قاعدة "أن تصل متأخراً خيرٌ من أن لا تصل". ولعلّ التحرك لمخاطبة الفصائل والأحزاب العربية، خصوصا تلك التي فازت في انتخابات دول كمصر وتونس وغيرها للتحرك، والضغط على حكوماتها للحراك على المستوى الدولي، هو الحراك الأمثل.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق