تحدي التمويل الإسلامي

تم نشره في الأحد 6 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً

أندرو شنج؛ آجيت سينغ*
هونج كونج - مع دخول بريطانيا الآن في محادثات لبيع جزء من حصة الحكومة التي تبلغ 82 % في ملكية رويال بنك أوف سكوتلاند لصناديق الثروة السيادية في أبو ظبي، عاد النفوذ المالي المتنامي للعالم الإسلامي إلى الظهور من جديد. والواقع أن هذا النفوذ يفرض أيضاً تحدياً شاملاً على الطريقة السائدة التي تمارس بها أعمال التمويل في مختلف أنحاء العالم.
بعد بدايات متواضعة في تسعينيات القرن العشرين، تحول التمويل الإسلامي إلى صناعة بلغ حجمها تريليون دولار. وهناك إجماع في السوق على أن التمويل الإسلامي ينتظره مستقبل مشرق، بفضل العوامل الديموغرافية المواتية وارتفاع مستويات الدخل في المجتمعات المسلمة.
وعلى الرغم من الشكوك بشأن إمكانية التوفيق بين التمويل الإسلامي والتمويل العالمي، فإن البنوك الرائدة على مستوى العالم تعمل على شراء السندات الإسلامية وتأسيس الشركات التابعة خصيصاً لإدارة التمويل الإسلامي. بل إن بعض القوانين الخاصة استُنَّت في مراكز مالية خارج العالم الإسلامي، لندن، وسنغافورة، وهونج كونج، لتسهيل عمل المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية المرتبطة بها.
ولكن كيف تُرى هذه التطورات من منظور التمويل الغربي والاتجاه السائد في التحليل الاقتصادي؟ وهل يشكل التمويل الإسلامي حقاً نظاماً مالياً بديلاً قابلاً للتطبيق؟
إن مجرد طرح مثل هذا السؤال في الوقت الحاضر يشكل أهمية بالغة. فحتى وقت ليس بالبعيد، كان التمويل الإسلامي يوصف على نحو لا يخلو من السطحية بأنه نظام يعتمد على سعر فائدة صفر في المائة، وأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى تعبئة منقوصة وغير فعّال، وبالتالي استغلال منقوص وغير فعّال للموارد. ومن عجيب المفارقات، أن القائمين على البنوك المركزية الرئيسية اليوم يستخدمون بشكل روتيني مثل هذه السياسات على وجه التحديد في تنفيذ عمليات "التيسير الكمي" الضخمة.
إن التمويل الإسلامي يقوم على قاعدتين مركزيتين: الحظر المطلق لتقاضي أي فائدة على المعاملات المالية، والمعايير الأخلاقية العالية من جانب المقرضين والمقترضين. ومن المثير للاهتمام أن أفضل المبررات الاقتصادية لنظام سعر الفائدة الصفر في المائة تقدمها لنا النظرية العامة لرجل الاقتصاد العظيم جون ماينارد كينز.
"إن اتخاذ التدابير ضد الربا من بين أقدم الممارسات الاقتصادية المسجلة على الإطلاق... لذا، ففي عالم لا يعتبره أحد آمنا، كان من المحتم تقريباً أن ترتفع أسعار الفائدة إلى مستويات أعلى من أن تسمح بالتشجيع الكافي للاستثمار، ما لم يتم كبحها بكل أداة ممكنة تحت تصرف المجتمع".
لقد اقترح كينز أن سعر الفائدة المنخفض للغاية أو الصفر هو وحده القادر على ضمان التشغيل الكامل المستمر للعمالة وعدالة التوزيع. والواقع أن إقرار كينز لمثل هذه السياسة لا يجعلها صائبة بالضرورة، ولكن هذا التحليل يشير إلى أنها سياسة تستحق أن يُنظَر إليها باعتبارها اقتراحاً جديا.
ولكن رغم أن التمويل الإسلامي يحظر الفائدة، فإنه لا يحظر الربح؛ ويستمد هذا الأخير من ترتيبات متعددة تجمع بين التمويل والمغامرة. وفي جوهره فإن هذا النظام لتقاسم الأرباح والمخاطر يقوم كلياً على تمويل المساهمة.
من ثَم فإن التمويل الإسلامي يتناقض مع النظام المهيمن الحالي القائم على الاستدانة بفائدة، حيث تنتقل المخاطر نظرياً إلى حاملي الدين، ولكنها في الممارسة العملية تُعَمَّم على المجتمع أثناء الأزمات. وإذا تساوت كل العوامل الأخرى، فإن أغلب خبراء الاقتصاد يتفقون على أن التمويل بالاستدانة يؤدي إلى قدر أعظم من عدم الاستقرار مقارنة بالتمويل بالمساهمة.
ويترتب على المبدأ الرئيسي الثاني في التمويل الإسلامي أنه إذا التزم الناس بدقة بمتطلباته الأخلاقية، فإن المشاكل المرتبطة بالمخاطر الأخلاقية في العمل المصرفي الإسلامي سوف تكون أقل كثيراً. إن المخاطر الأخلاقية واردة في كل الأنظمة، حيث تتحمل الدولة في نهاية المطاف مخاطر المواطنين الأفراد.
ولكن التعرف على مدى كفاءة أي نظام بعينه في تجنب المخاطر الأخلاقية يعتمد على الممارسة، وليس المبدأ النظري. وقد يتفق العديد من المراقبين على أن الأخلاق المسيحية لعبت تاريخياً دوراً بالغ الأهمية في صعود الرأسمالية الغربية. بيد أن الرأسمالية العلمانية عانت من تآكل القيم إلى الحد الذي وضع معه القطاع المالي مصالحه فوق مصالح بقية المجتمع. وإذا كان بوسع القيم الأخلاقية في التمويل الإسلامي، والتي تستند إلى الشريعة الإسلامية، أن تزيد من القدرة على ردع المخاطر الأخلاقية وإساءة استغلال الواجبات الائتمانية من قِبَل المؤسسات المالية، فإن التمويل الإسلامي قادر على إثبات صلاحيته كبديل حقيقي للنماذج الحالية من التمويل القائم على المشتقات المالية.
فضلاً عن ذلك فإن المبادئ الأساسية للتمويل الإسلامي تفرض علينا أن نعيد النظر في الأسس الأخلاقية للترتيبات النقدية الحديثة، التي تطورت إلى نظام عملة احتياطية عالمية مؤسس على نقود ورقية تصدرها الدولة. في الماضي، كان الذهب بمثابة المرسى للاستقرار النقدي والانضباط المالي، حتى ولو كان انكماشيا.
إن الاختبار الحقيقي لأي نظام مالي بديل يعتمد في النهاية على ما إذا كان، أو من الممكن أن يصبح، أكثر كفاءة وأخلاقية واستقرارا وقابلية للتكيف من النظام السائد. وفي الوقت الراهن، لا توجد عملة احتياطية عالمية إسلامية ولا ملاذ أخير للإقراض الإسلامي. ولكن العالم الإسلامي يحتوي على موارد طبيعية هائلة تدعم تجارته وأنشطته المالية.
ومع نمو مكانة ونفوذ العالم الإسلامي فإن التمويل الإسلامي سوف يصبح منافساً قوياً للنظام المالي الحالي. وبوسع العالم أن يكسب الكثير إذا تنافس النظامان بنزاهة وبشكل بنَّاء من أجل تلبية احتياجات الناس إلى أنماط مختلفة من التمويل.


*أندرو شنج، رئيس معهد فونج العالمي في هونج كونج، آجيت سينغ أستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة كمبريدج.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق