عيسى الشعيبي

مهمة كوفي أنان.. الصنارة غمزت

تم نشره في الثلاثاء 17 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

رغم موجة التشاؤم العاتية، وعاصفة الشكوك المبررة، والتوقعات السلبية المحقة التي جوبهت بها، وما تزال، مهمة المبعوث الأممي/ العربي كوفي أنان قبل انطلاقها منذ نحو أسبوعين، فإن بعثة هذا الدبلوماسي المحترف نجحت أخيراً في تحقيق أول اختراق من نوعه في جدار الأزمة السورية، وفتحت كوة صغيرة لا يمكن بعد الآن سدها بصورة نهائية محكمة، لا بالمراوغات المعهودة ولا بالخروقات المتوقعة سلفاً، ولا بكل تلك العصي الصغيرة التي لا يمكن لها بعد الآن أن توقف دوران العجلة.
وكي نبسّط مغزى مثل هذا الاستنتاج المبكر في إصداره، بل والمبالغ كثيراً في تفاؤله حيال مهمة أنان الشاقة والمعقدة، فإنه ينبغي إحالة الأمر كله على ذلك التبدل الطفيف، والمهم في الوقت ذاته، في موقف موسكو التي تمكنت، مبكراً، من الإمساك بمفاتيح اللعبة الخطرة، وانتزعت لنفسها دور البطل الأول على خشبة مسرح الأزمة تدريجياً، في مقابل دبلوماسية غربية باهتة، وحسابات أميركية مفرطة في تحسباتها الإقليمية، ناهيك عن تواضع فاعلية الضغوط العربية، وإخفاق مقارباتها، وفوق ذلك سوء أداء المعارضة السياسية السورية.
لم يكن نجاح موسكو في الإمساك بمعظم خيوط الأزمة السورية ناجماً عن براعة تكتيكية فقط، وأداء دبلوماسي هجومي مثير لإحباط الخصوم فحسب، وإنما أيضاً بفعل مقاربة غربية، أو قل أميركية، قضت بمد الحبل لروسيا إلى الآخر، ومنح الدب الناهض من بياته الشتوي للتو وقتاً مستقطعاً، وفرصة سانحة، لجلبه إلى الحقل بإرادته الخالصة، وإدماجه على قدم المساواة مع قطيع الجوارح الضارية، ومن ثم إعطاؤه راية القيادة ووضعه موضع الاختبار العسير.
على خلفية هذه المقاربة الغربية الماكرة، برمي الأزمة السورية المتفاقمة في الحضن الروسي الواسع، بدت موسكو بصولجانها القيادي المستحق، أكثر رصانة وأعلى حساً بالمسؤولية، وأشد تحسساً من ذي قبل للفظاعات المرتكبة، الأمر الذي راكم من تبرمها الصامت إزاء حليف صار أكثر تعلقاً بها من ذي قبل، وتحول بعناده شيئاً فشيئاً إلى عبء يثقل على صورة الدولة الكبيرة الراشدة، يسحب من رصيد مكانتها المتنامية كقوة استقرار دولي، ويجور على فضاء صداقتها التقليدية ومصالحها الاستراتيجية مع العرب.
هكذا أتت مهمة كوفي أنان محمولة على جناح ذلك التحول الروسي الطفيف في مدار الأزمة السورية، وغدت بمثابة اختبار قابل للقياس لمدى جدية هذا التطور القابل للمراكمة عليه حجراً فوق حجر، الأمر الذي وفر لأنان الأرضية الملائمة، وقوة الدفع اللازمة، لإحداث انطلاقة دبلوماسية ذات مصداقية متوسطة الدرجة، بعد أن حشد وراءها مجلس الأمن الدولي كله، وجمع الأضداد من حولها لأول مرة، وعرضها من ثم كبضاعة وحيدة في السوق، لا سبيل أمام النظام المأزوم في دمشق سوى الإقبال مرغماً على شرائها بالتقسيط.
من هنا، بدا كوفي أنان الذي بنى الروافع المواتية لإنجاح مهمته، كصياد ماهر يتقن إعداد الطعم ويحسن إلقاء الصنارة، وهو الرجل الذي سبق لنا وصفه قبل أكثر من أسبوع واحد فقط، كحصان أسود يراهن عليه في مضمار السباق، وذلك وفق ما تجلى عليه الأمر مبكراً، حين عرض أنان بضاعته التي لا بضاعة غيرها على النظام السوري المحشور في الزاوية الضيقة، وكمن على الشاطئ كما يكمن صياد أمسك جيداً بالصنارة الطويلة، وراح ينتظر بصبر وأناة متى ستلتهم السمكة الجائعة الطعم المعد لها بعناية.
من هنا، فإن من المفيد الاستماع من الآن فصاعداً إلى ما تقوله موسكو التي استنزفت قسطاً كبيراً من رأسمالها الدبلوماسي في هذه الأزمة، وليس إلى كل ما ستثرثر به دمشق في هذه اللحظة السياسية التي تعتبر لحظة روسية فارقة، أكثر بكثير من كونها لحظة سورية خالصة. إذ سيتوقف مآل ما سمي بالفرصة الأخيرة على مدى نفاد صبر موسكو إزاء حليف فشلت حلوله الأمنية، وخفت موازينه الشرعية، ومن ثم التأكد في وقت قصير من فرضية أن صنارة أنان قد غمزت حقاً، وأن السمكة المراوغة قد علقت بالخطاف المميت أخيراً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مهمة فاشلة (معاذ التل)

    الثلاثاء 17 نيسان / أبريل 2012.
    مهمة فاشلة سلفا ، لان النظام السوري لن يقبل بتنفيذها وها نحن نسمع ونشاهد قصفه اليومي واعتقالاته اليومية لناشطي الثورة وموتهم تحت التعذيب، النظام السوري يعلم ان ساقط لا محالة لو طبق المبادرة وسقوطه يعني تعليق رموزه على حبال المشانق لذلك لن ينفذ المبادرة ولا باي شكل من الاشكال.