يوم الأرض للأرض

تم نشره في السبت 7 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

كان إحياء يوم الأرض الفلسطيني في الثلاثين من آذار الماضي، مختلفا بعض الشيء خارج الوطن. والظروف أيضا داخل وطن يوم الأرض كانت مختلفة عن السنوات الأخيرة، إذ إن فلسطينيي 48 يجدون أنفسهم مرّة أخرى أمام هجمة اقتلاعية لا أقل مما كان عليه الأمر قبل 36 عاما، و64 عاما أيضا. إلا أن قوى سياسية في الخارج، مدعومة من قوى في الداخل، اختارت الدعوة لتسيير مسيرات "مليونية" تحت اسم "مسيرة القدس"، فهل كانت التسمية صائبة؟
إذا كان لا بد من استعراض المواقف الأساسية من أجل توضيح جوهر الرأي في هذه القضية، فأقول إن قضية القدس مركزية في جملة القضايا المتشابكة في القضية الفلسطينية، ولا يمكن فصل أي قضية عن الأخرى، ولا حل للقضية بدون القدس. ولكن في الوقت نفسه، هناك ضرورة للتوضيح أن مركزية قضية القدس وأهميتها القصوى لا تعنيان أنها وحدها كل قضية فلسطين، والضرورة تقتضي تسليط الأنظار على كل ملفات فلسطين، بدون أن يكون ملف على حساب الآخر، لا بل هناك أوقات ومناسبات تضطرنا إلى التركيز على ملف واحد دون سواه.
وحتى في داخل القدس، فمن الواضح أهمية المدينة ومكانتها الدينية، فهي مستهدفة من جميع النواحي، وهناك تركيز خاص على المقدسات والأوقاف. وحينما نقول مقدسات إسلامية ومسيحية، فالحقيقة هي أن المستهدف الأساسي من المؤامرة الأخطر هو الحرم القدسي الشريف ككل، وفي مركزه المسجد الأقصى المبارك.
ولكن قضية القدس ليست قضية مقدسات فقط، فالقضية هناك ليست قضية عبادة، بل قضية سيادة تتضمن مما تتضمنه العبادة أيضا. فالقدس كلها تئن تحت شبكة مؤامرات، من استيطان وتفكيك المدينة وتحويلها إلى غيتوات، وضرب البنية الاجتماعية بكافة أشكالها. لذلك، فإن التعامل مع القدس يجب أن يشمل كل ملفاتها، وكل ملف مرتبط بالآخر.
ربما أن البعد الزمني عن يوم الارض، من ناحية، وتكاثر تعقيدات القضية الفلسطينية بمجملها من ناحية أخرى، يضاف إلى هذا فوضى الخطاب السياسي في جميع أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، وتصاعد الاحتراب الفصائلي والحزبي، وتشويش تأريخ القضية الفلسطينية خدمة لمصالح فئوية، يجعل فئات كثيرة، خاصة من الشعوب المتضامنة، تجهل بغير ذنب، حقيقة يوم الأرض ومنبعه.
فهذا يوم الإضراب العام الجماعي الأول لفلسطينيي 48، ويوم المواجهة الجماعية الأول لتلك الشريحة من الشعب الفلسطيني في وجه السلطة الإسرائيلية، وكان ثمرة بناء جيل جديد متمرد، على مر عقدين من الزمن. جيل لم يعش رهبة النكبة، هبّ للدفاع عما تبقى من أرض أرادت المؤسسة الحاكمة نهبها، وكانت تلك الهجمة الأقسى في تلك المرحلة، لأنها تنتزع من المزارعين آلاف الدونمات الخصبة.
ولم يكن قرار الإضراب سهلا، بل كان تجربة أولى سبقتها تحركات طويلة واجتماعات سرية، رغم ما كان يظهر من علنية للحراك السياسي، كما أن اسمه يحمل رمزية لمعركة البقاء في الوطن.
والبقاء ليس مجرد شعار نلوح به، بل بقاء وتشبث بالهوية. ونجاح الصمود في يوم الأرض أعطى دفعة نضالية لعشرات السنين لفلسطينيي 48، وكان نقطة تحول تاريخية في مسيرة تلك الجماهير التي ما هدأت يوما واحدا منذ النكبة، وليس كما يحاول "البعض" تصويرها، وكأنها اكتشفت النضال يوم انطلقت القنوات الفضائية.
لا يمكن لوم، ولا حتى معاتبة القوى في الخارج التي بادرت إلى "مسيرة القدس"، بل تلك القوى الفلسطينية التي لم تتنبه، أو تنبهت وصمتت، ولم تطلب مثلا أن تكون "مسيرات البقاء"، لتسليط الأضواء على فلسطينيي 48 في يومهم، وفي وقت يواجهون فيه هجمة لسلب نصف مليون دونم من عشائر الجنوب، واقتلاع عشرات آلاف المواطنين من قراهم وتدميرها، وأيضا في الوقت الذي تشهد فيه مدن الساحل الفلسطينية التاريخية يافا وعكا وأخواتهما مؤامرات اقتلاع خطيرة.
ليس في هذا انتقاص من القدس، جوهرة التاج، بل دعوة إلى التعامل مع الملف الفلسطيني بشمولية. إن فلسطينيي 48 المتمسكين بالبقاء في معركة لا تتحمل إطلاقا المساومة والمتاجرة والتفريط، يحق لهم لفتة من الشعوب المتضامنة، فكم سيكون الوقع أشد على المُحتل، حينما يرى مظاهرات ومسيرات في شتى أنحاء المعمورة، تسمى "مسيرات البقاء"؛ فمعركة البقاء هي معركة القدس أيضا.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس احترابا فصائيليا (أحمد عزم)

    السبت 7 نيسان / أبريل 2012.
    بالتأكيد أن أهل فلسطين في الداخل وقضاياهم ووحدتهم العضوية مع باقي شعب فلسطين والأمة العربية أمر لا يجب تجاهله. كل الفصائل بلا استثناء تتجاهل هذه الشريحة من شعب فلسطين، ولا تضع لها أي برنامج دعم أو مساندة أو لتفعيلها، والقول بأن القدس هي عنوان كل الملفات لا يمكن أن يكون دقيق دائماً، فملف الجليل والنقب، وقرية العراقيب مثلا التي هدمت عشرات المرات لم تحرك عند أي فصيل بدءا من فتح وصولا لحماس أي رد فعل يذكر... من يفكر فصائليا يرفض التفكير والمراجعة ومن يفكر في كل فلسطين يقول كل ما لديه
  • »هو الاحتراب الفصائلي والايديولوجي (امجد ابوعوض)

    السبت 7 نيسان / أبريل 2012.
    سأبقى على يقين تام ان الاحتراب الفصائلي الايديولوجي يقف وراء هذا المقال وايضا مقال للدكتور احمد جميل عزم تبنى فيه نفس موقف النقد لفعاليات يوم الارض ولكنك يا استاذ برهوم ... تصل حدود (نقض) هذه الفعاليات , كان يوما جماهيريا مرضيا للقضيه الفلسطينيه وليس ذنب الاسلاميين انهم الانشط والاكثر كفاءه , المذنبون معروفون وربما من سيماهم الرقص الغوغائي على كلمات تصف معاناة الشعب الفلسطيني قيلت في الجمعيه العموميه على لسان رئيس الفلسطينيين محمود عباس ليحاول هؤلاء تعظيمها وكأن قائلها فعلا هو احد رموز ادارة جورج بوش المحافظيه , بالطبع اقصد خطاب عضوية فلسطين , لا اعرف ان شراسة الاحتراب الفصائلي الايديولوجي ستصل لحد رفض اعتبار القدس عنوان لكل ملفات النزاع .