عيسى الشعيبي

استدارات "حماس" واستدراكاتها

تم نشره في الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

بعد مرور نحو عام من زمن الربيع العربي المقدر له أن يمتد إلى عدة سنوات لاحقة، واختلاط النتائج الأولية لهذا الحراك الجماهيري، وتباين القراءات الرغائبية إزاءه، فضلاً عن انخفاض سقف التوقعات المرجوة منه في المدى القصير، تبدو حركة حماس من بين أكثر الأطراف المخاطبين بارتدادات هذا الزلزال السياسي الذي غيّر واقع المنطقة إلى غير رجعة، وأشدهم تعلقاً بالآمال المعقودة والرهانات المعلقة على صعود نجم الحركات الإسلامية.
كان سقوط نظام حسني مبارك، الذي ناهض "حماس" باعتبارها امتداداً لحركة الإخوان المصرية، أكبر هدية على الإطلاق تلقتها الحركة الإسلامية المحاصرة في قطاع غزة. وكان كذلك بروز الحركيين الإسلاميين بقوة في ميادين الربيع العربي الأخرى، ونجاحاتهم اللافتة هنا وهنالك، وفق ما بدت عليه بشائر المتغيرات الأولية والتطورات الواعدة على ساحة أهم البلدان العربية.
غير أن الحركة الإسلامية في فلسطين، التي أسعدتها كل هذه المتغيرات المواتية في البيئة الحاضنة، وجدت نفسها في خضم وضع إشكالي مباغت، عندما اندلع الربيع العربي في سورية، حيث راحت ثورة الكرامة والحرية تلقي بظلالها الكثيفة على صدقية الخطابات القديمة والتحالفات التاريخية، ومضت في تبديل المشهد السوري بالكامل، الأمر الذي حمل حماس حملاً على إحداث استدارة أولية غير تامة، عبر سياسة النأي بالنفس، وفلسفة الاحتفاظ بهامش ضئيل للترقب والاستدراك والمناورة.
لم يمض سوى قليل من الوقت حتى كانت قيادة "حماس" تجد نفسها مكرهة على مغادرة عرينها السياسي في دمشق، باحثة عن بدائل مكانية ضئيلة، وخيارات سياسية صعبة. وهو ما أفضى بالحركة إلى إعادة التموضع في سياق سياسي كانت تأبى الدخول فيه من قبل، وتطوير خطاب كانت تلامس ضفاف مائه دون أن تبتل به، ونعني بذلك القبول بعملية المصالحة والانتخابات وحكومة الوحدة الوطنية، والمصادقة على ممكنات شعار المقاومة السلمية.
إلا أن آلام هذه التحولات التي بدت أقرب ما تكون إلى عملية مراجعة من وزن ما قامت به كثير من الحركات الإسلامية في المحيط الواسع، سرعان ما ظهرت أعراضها السلبية على قوام الحركة الإسلامية المجاهدة، التي بدت أكثر من أي وقت في تاريخها منقسمة على نفسها، بين قيادة خارجية تميل إلى التساوق مع متغيرات الربيع العربي وتستجيب إلى مقتضياته الجبرية، وبين قيادة داخلية تتمترس في قطاع غزة، تأبى التكيف؛ تستدرك وتعاند في دفع استحقاقات مرحلة تأسيسية جديدة على المستوى الإقليمي كله.
ففي الوقت الذي أحسنت فيه قيادة "حماس" صنعاً بمغادرة مكتبها في دمشق، حيث لا يوجد لها معسكرات أو مخازن أسلحة أو شبكة أنفاق أو غير ذلك، كانت الحركة في غزة تمضي عكس عقارب الساعة، ليس فقط من خلال محاولات مستميتة وخطابات ملتبسة للاحتفاظ بعلاقة ما مع محور الممانعة العربية، واستدارات أخرى بدت فيها أكثر تعلقاً بأهداب هذا المحور ونقطة ارتكازه الإيرانية، وإنما كذلك في عرقلة كل اتفاق أو خطوة من شأنها تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني، خوفاً على إضعاف سلطة الأمر الواقع القائم في غزة.
وبدت حماس في غمرة أسبوع القصف المتبادل بين حركة الجهاد الإسلامي وإسرائيل، أمام اختبار قاسٍ لم يكن بودها الدخول إليه، حين ظهرت "سرايا الجهاد" التي لم تلوثها أوهام "سلطة تحت الاحتلال" وهي تختطف اللواء من بين أيدي كتائب القسام، وتستقطب الأضواء والاهتمام، وتنبري كرأس الرمح الممشوق في الكفاح ضد العدوان، بينما الأخ الأكبر، أو قل رب البيت في القطاع الفائض بالصواريخ الهاجعة، يداري الحرج، ويتوسط للتهدئة مع دائرة المخابرات المصرية ذاتها.
وهكذا، ظهرت "حماس" مرة أخرى على غير صورتها عن نفسها في مرآة ذاتها، أو في مرآة الآخرين عنها؛ حركة تضع السلطة كأولوية أولى على رأس جدول أعمالها، ترفع راية المقاومة على أعلى السارية، لديها فم كبير ولسان ذرب، يغرف من معين لا ينضب من قاموس التحرير والممانعة والردود الزلزالية، لكنها في ساعة الاختبار التي تكررت كثيراً منذ حرب الرصاص المصهور، تعود إلى التموضع في الوسط، والإمساك بالعصا من المنتصف، كسلطة تمسك بنواجذها على غزة وتستقل للاحتفاظ بها، وتواصل من ثم تقديم أوراق الاعتماد لنيل وسام الجدارة بالمسؤولية الراشدة.

التعليق