زليخة أبوريشة

البابا شنودة والحكمة والوطنية

تم نشره في الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

التقيتُ بالبابا شنودة في حياتي مرتين في القاهرة قُبيل وبعد تقديم حديثه إلى الشّعب المصريّ في معرض القاهرة الدولي للكتاب. كما شاهدتُه في عدد من المقابلات التلفزيونيّة والمناسبات، فرأيت قائداً وطنيّاً متواضعاً لمّاحاً وعميق البصر والبصيرة. ولم أشعر للحظة أنّ هذا الشّيخ الجليل ينتمي إلى منطلَق آخر يرمي بينه وبيني –كمسلمة- بحراً من الشّوك أو الحجارة أو الحِجاج العقيم، بل كان فقيهاً بما تمليه الوطنيّة والعروبة من مواقف؛ وبذا فقد حرّم على الأقباط في العالم أن يزوروا القدس وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي، معلناً موقفاً راديكاليّاً من العدو الإسرائيلي لم يتنازل عنه حتى آخر رمق من حياته العظيمة، سنده بامتناعه عن مقابلة أي إسرائيلي تحت أي ذريعة، باعثاً برسالة تلو الرسالة إلى العالم أنّ الأقباط مع الشّعب الفلسطيني مهما يطل الحصار.
هذا البعد الوطنيّ والقومي في شخصية البابا الراحل، والذي كلّفه الإقامة الجبرية لمدة أربعين شهراً في عهد السادات (لمعارضته اتفاقية كامب ديفيد)، يمشي إلى جانبه بُعدٌ آخر لا يقلّ عنه أهميّة وهو موقفه من الإسلام والمسلمين. فلم يترك الرّاحل مناسبة لم يُعلن فيها عن الإخاء بين أتباع عيسى وأتباع محمّد عليهما السلام في الوطن الواحد. وله قراءة مشهودة في الحروب الصليبيّة تُعلنها معتدية آثمة، مندّداً بنسبتها إلى الصّليب، وبذلك يبرّئ النّصارى العرب من الفهم المريب لمجريات تلك الحروب وأهدافها الآتية من جحيم التعصّب، لا غير.
وثالث الأبعاد أنّه كان علامة فارقة في تاريخ المؤسّسة الدينيّة في مصر والكنيسة القبطية على وجه الخصوص، حيث نادى بالمواطَنة معياراً للهدي الدّينيّ، وأنّ المصريين مسيحيّين ومسلمين هم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، ضارباً في الصّميم فكرة التفوّق على أساس الدين، لدى أتباعه ولدى المسلمين أيضاً. وهو تماماً ما تُنادي به الفكرة الكونيّة الإنسانيّة القائمة على احترام الإنسان على قدم المساواة وأينما كان، بغضّ النّظر عن الدّين والعرق والجنس والإقليم واللّون، التي تشكّل منصّات كريهة لإطلاق التعصّب والشوفينيّة في ثقافة الشّعوب والجماعات!
كان –رحمه الله– إنساناً سمحاً بسيطاً محباً للدُّعابة، مبتسماً، ترى في عينيه وحولهما آثار تعبّده الطويل والتمعّن في الحقائق والبشريّة واللاهوت والأخلاق والإنسانيّة. لم يمهله المرض ليعبر بمصر إلى شاطئ يجد فيه شعبها طمأنينة الأمن وتجاوز المحن.
رحم الله البابا شنودة الذي كان شخصيّة حرّة وعربيّة وطنيّة لكل المصريين ولكل العرب مسلمين ونصارى. ويسّر الله لمصر خلفاً له على ذاك القدر من التميّز والتفرّد والحكمة.
دعونا لا نفقد الأمل...

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا لكي (رشاد الصاحب)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    شكرا للكاتبه زليخه واجد نفسي متفق معها في هذه المقاله والشكر لها لانها انصفت الرجل وأن ياتي ألأنصاف من شخصيه مسلمه لهو خير دليل على عظم وسماحة ديننا الذي لا يفرق بين احد من اصحاب الديانات والرسالات السماويه لان الجميع شركاء في الانسانيه ولم اسمع يوما من رجل دين اسلامي اي خطاب يدعو لقتل اصحاب الديانات الاخرى ولكن سنة الحياة ان يدافع الانسان عن نفسه ضد اي معتدي فالافغان على سبيل المثال لا الحصر لم يذهبوا لامريكا ليحاربوها ولكن امريكا جاءتهم وحاربتهم في عقر دارهم بحجة القضاء على الارهاب المتمثل في القاعده والتي هي اصلا من صنيعتها .مره اخرى شكرا للكاتبه زليخه
  • »أيام محيرية ! (طالب النجار)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    كما عهدناها ، فقد أبرزت الكاتبة زليخة أبو ريشة مناقب البابا شنودة ، ، ، وفي هذه الأيام المحيرة برزت نداءات طائفية التقت مع شهوات الغرب في تشتيت العرب ، وقد أضحى التكفيريون يعلنون ولاءهم لأعداء أمتهم ، شهوة في الحصول على مرابط السلطة ، ، وما نقرأ ونشاهد في الفضائيات من شماتات توجه وشتائم لكل من يريد الحفاظ على اللحمة الوطنية . . . !
    هذه الظاهرة يا أختنا لم تكن مطروحة قبل أن أقبلت الولايات المتحدة للمنطقة " لتحرر" شعوبها من طغيان حكامهم ، ، والهدف الحقيقي هو احاطة اسرائيل بسياج واق قوامه دويلات مفتتة مشتته .. . وكم أشتهي أن تتنبه بعض الأقلام من العواقب التي تختبيءللوثب ، في الوقت الملائم ، على من وقف حائلا أمام الطموحات التي أصبح ساسة اسرائيل يعلنونها ، وهل نصدق أننا أضحينا نسمح " وعلى سبيل المثال " مناشدة اليمين الاسرائيلي المتطرف " بقرب تطبيق ما يسمى " الوطن البديل " وكذلك الحماسة "لحماية" السوريين من بطش حكامهم . . وهل ستكون اسرائيل أكثر رحمة من أؤلئك الحكام مهما بلغوا من فقدان الشرعية وانعدام الديموقراطية ؟
  • »رجل عظيم (Sami)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    أحييك يا استاذه زليخة على تذكر هذا الرجل العظيم الذي كاد يمر رحيله دون ذكر له في صحفنا اليوميه, فعلا قد كان مثالا للتواضع و العروبية و الانسانيه, و اشك ان يجود علينا الزمان بمثله في القريب.
    و لا شك ان ذكره بالخير لن يعجب الكثيرين... لا عليك منهم دكتور عقروق فهم أقليه امام الاغلبية الصامته في زمن مقلوب.
  • »انصاف واضح (المهندس أبو أنس)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    أقول للكاتبة زليخة أبو ريشة ، أن مقالها قد أجمع عليه كل من لديهم فكر نير . . . ولكني لعلى يقين أنه لن يروق للتكفيريين الذين يعلنون ، حتى على منابر الخطابه ، كرههم لأخوتنا المسيحيين ، حتى أن أحدهم يكفر من لا يكفرهم !
  • »رجل السماحة والسلام البابا شنودة : وداعاً ..! (محمود أبو الرز-بعثة السلام الدولية بدارفور)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    شكراً لأستاذتي الكريمة زليخة أبي ريشة على هذا الإحساس والتعبير الصوفي والعرفاني الراقي تجاه الراحل الكبير . وإيماناً بقوله تعالى: " ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى"،وامتثالاً لوصية نبينا الأكرم - صلى الله عليه وسلم- : " استوصوا بالقبط خيراً فإن لنا فيهم نسباً وصهرا "- وهي وصيةٌ واجبة على كل مسلم ومسلمة وقائمةٌ إلى قيام الساعة، فإنني أشاطرها ،وملايين العرب والمسلمين هذه المشاعر النبيلة،وأتقدم من شعبنا العربي الكريم السمح في مصر المحروسة، نصارى ومسلمين ، بخالص العزاء لوفاة عظيم القبط قداسة البابا شنودة الثالث ،الراهب الشاعر المتصوف ،صاحب المواقف السمحة المشهودة تجاه مصر ووحدتها الوطنية،وتجاه الإسلام والمسلمين، وتجاه مقدسات الأمة في بيت المقدس ..!

    ولا نقول إلا ما يرضي الله : "لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل ٍ مُسمى..وإنا لله وإنا إليه راجعون."..!

    " الرب أعطى والرب أخذ، فليكن إسم الرب مباركاً "..!

    ولا يفوتني أن أقتبس هذه الأبيات ،لعشاق الضاد وديوان العرب ، من آخر قصائده الصوفية الرائعة(أحبك يا رب في خلوتي):

    أُحبُّكَ يا ربِّ في خلوتي*تنادي فؤادي بعمق الكلِم ْ

    أُحبك يا رب في توبتي *ووقت البكاء ووقت النَّدمّ
    ...
    أُحبك يا رب وقت الرخاءِ*أحبك يا ربِّ وقت العَدمّ

    أُحبك والقصر يُبني لأجلي*وأيضاً إذا ما هوى وانهدمّ

    أُحبك قلباً يُضمِّد جُرحي*وأفرح بالجرحِ حين التأمّ

    أُحبك روحاً يرفرفُ حولي *يفيضُ عليَّ بأسمى النِّعَمّ
    .......................
    "والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"..!
  • »شكرا با ست زليخة (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقبتا)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    شكرا يا اديبتنا العميدة لكلماتك المعبرة عن البابا شنودي ، القريب الى قلبك بأنسانيته ووطنيتة ومواقفه .لقد قال المغفور له باذن الله البابا شنودي بصف المواطنه الصادقة اذ قال " مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطنا يعيش فينا " كان بودي الا يكون السلفيون والكثير من المعلقين قلوبهم سوداء بالنسية لمواطن قومي عربي قبل ان يكون رجل دين .فبهذا المفهوم نحن نهدم الامة ولا نبنيها ..واذا كان رأي السلفيون حكام مصر القادمين ، فكيف سيكون شعور 10 ملاين من المواطنين الأقباط