د.باسم الطويسي

شرق أوسط خال من السياسة

تم نشره في الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

وكأننا نسير عكس حركة التاريخ! فقد كان من المؤمل أن تفجر رياح الربيع العربي ثورة أخرى في السياسة، تبدأ بإعادة تعريف مواقف الأطراف العربية من الجذور البعيدة للاستبداد؛ أي تحريك البحيرة التاريخية الراكدة في إدارة الصراع حول القضية الفلسطينية، وإعادة صياغة شرعية مختلفة لميلاد سياسة جديدة تحرك الصراع الأساسي في الشرق الأوسط الذي أنهك كل شيء حولنا، وبرر كل المصائب والمحن. ولكن اقترابنا من نصف العام الثاني لا يدل على جديد. ولعل الخطاب الإسرائيلي–الأميركي في مؤتمر منظمة "إيباك" الأخير يؤكد أن رسالة الشعوب العربية لم تصل، وما تزال تُنقل مشوهة ومشوشة.
اليوم، يبدو الشرق الأوسط مغلقا وخاليا من السياسة، بينما يعج بصفقات الأسلحة والقتل والحروب الأهلية، والصفقات التي يوجد فيها كل شيء إلا السياسة. فقد كان من المبرر أن يقبل الرأي العام العربي تراجع مكانة القضية الفلسطينية في أولويات السياسة الدولية خلال العام الأول للثورات، وكان من المبرر، إلى حد ما، أن تغيب مركزية الصراع في خطاب الثورات وفي ميادينها، ولكن ما يستدعي طرح الأسئلة الكبيرة هو كيف تحول تاريخ الصراع من التحريك إلى الجمود، ومن الجمود إلى الموت.
تتبدل السياسة في الشرق الأوسط ولكنها لا تتغير، والمفاجأة أن تموت بصمت كما يحدث هذه الأيام! يتبدل اللاعبون ومواقعهم، لكن الملعب وحساب الأهداف لا يتغير، كما يبدو هذا واضحا بعد أن تم تفريغ لحظة الديمقراطيين ووعود الرئيس الأميركي من مضمونها في الشهور الستة الأولى من عهده، وهو الأمر الذي يتأكد اليوم بصورة مدهشة في الشهور الستة الأخيرة من الولاية الأولى.
لنلاحظ المحتوى الفكري لخطاب رئيس الدولة الإسرائيلية ومهندس صورة إسرائيل في العالم في مؤتمر "إيباك" مطلع هذا الشهر: "بقليل من الأرض والماء والموارد نما عدد سكان إسرائيل عشرة أضعاف، ونما الناتج المحلي الإجمالي خمسين ضعفا، فيما تقوم التكنولوجيا العالية والابتكارية الإسرائيلية بإثراء العالم، وتحول زراعتها الصحراء إلى أرض خضراء. لقد أنشأت إسرائيل قرى جديدة ومدنا جديدة وجامعات جديدة ومسارح جديدة ومراكز ثقافية جديدة، ويتكلم أطفالنا لغة الأنبياء، والأدب العبري في حالة ازدهار، ومن شعب مشتت أصبحنا ديمقراطية موحدة. والسعي وراء السلام، بالنسبة لنا، ليس فرصة عابرة، بل هو واجب أخلاقي؛ إنه عقيدة أمننا القومي. ولكي تصنع السلام يجب على إسرائيل أن تكون قوية". بينما يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل عدة أشهر ما نصه: "إن العالم المحيط بإسرائيل يصبح بكل وضوح أكثر خطورة. لقد سيطر التشدد الإسلامي على لبنان وغزة، وإنه مصمم على تمزيق معاهدتي السلام المبرمتيْن بين إسرائيل ومصر وإسرائيل والأردن. لقد سمّم الكثير من العقول العربية لتتجه ضد اليهود وإسرائيل وأميركا والغرب. إنه لا يعارض سياسات إسرائيل فحسب، بل مجرد وجودها". والنتيجة في المحصلة صفر،  فالمطلوب إسرائيل أقوى وأكثر نقاء، بينما تتبادل النخب الإسرائيلية الأدوار لكي تبقى إدارة الصراع في نفس المكان؛ تشتري الوقت وتبيع العالم الوهم.
بعد عام عربي دسم بالثورات وقوة الشارع وإرادة التغيير، لا جديد في آلية مناورة الزمن التي طورها الإسرائيليون طوال السنوات الماضية، باستثناء التحول من إدارة الصراع بالقوة والسياسة إلى إدارة الصراع بدون استخدام القوة وبدون السياسة أيضا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المفاجأة المنتظرة (مراد خليل)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    شكرا، المقال يعبر عن مدى العمق الفكري ، لقد تجاوزت الولايات المتحدة واسرائيل كل معقول في التعامل مع الصراع العربي الاسرائيلي ، المهم ماذا ننتظر في الايام القاتدمة وما حجم المفآجأت التي نتوقعها
  • »ربيع أم خريف متنكر؟ (خالــد الشحـــام)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    مقال جميل وعميق الفكر ، شكرا لك دكتور باسم ..........
    كل ثورة أو انتفاضة شعبية لا تؤول إلى فلسطين هي محض هواية دموية أو مؤامرة عبثية في العقول والآحلام ، كل ثورة تندلع وتشعل آمالنا وتجلب معها رائحة تلك الحقول القمحية ثم تنكفىء على نفسها هي مجرد نزوة مارقة لا تساوي قيمتها إلا ذرات من غبار ........... بنظرة سريعة سطحية لتقييم الربيع العربي فنحن لا نزال نلعب في المربع الأول من الرقعة المشتعلة ، الثورات التي انطلقت هنا وهناك يبدو أن أهدافها لم ترتق أو تتعد سقف المطالب الاجتماعية والاقتصادية الداخلية ثم نعود كما كنا وسنكون ، ربما هذه الاحكام مستعجلة أو متهورة لكن بوادر التغيير لا توحي بأي اطمئنان على الاطلاق ، في مصر فرشنا بساطا أخضر من الأمل لنستريح وأشعلنا شعلة الاستقبال والتهليل فوقه لكن العسكر والاسلاميين طبخوها سويا وخرج الشعب المصري من المولد بلا حمص بصحبة الكثيرمن الفشل و بمعيتهم خرجت فلسطين الحزينة وكانت أحداث غزة الأخيرة أكبر اختبار ومحك فعلي لطلائع السلفيين والمعتدلين ولكنهم بلعوا المكسرات الاسرائيلية بقشرها المر كما كانت العادة وعرفنا نحن حجم خيبة الأمل ........... في ليبيا اليوم رفاق الأمس وشركاء الصحراء الطويلة يتقاتلون على إعادة زعيم القبيلة واستيراد شاشات البلازما بقياس 60 إنشا والتي كانوا يجهلون أين توجد ولماذا تستعمل ولا زالوا يعزفون لنا مقطوعة من أنتم بإخراجها المتجدد .......... تونس الخضراء تقع في طرف القارة واستوى الثمر على ساقه فإن عدتم عدنا وجعلنا تونس لهيبا وكفى الله المؤمنين شر القتال ........ اليمن الحزين باعوه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين وخرج الشعب اليمني يندب إلتقاء شماله بجنوبه وشهدائه بملائكته ، ليس هذا وكفى بل القادم أعظم فسوريا الغارقة في الدماء لن يكفي أنها خسرت من ابناءها عشرين أو ثلاثين ألفا وفقدت كيانها كدولة بل ستكون الإسفين الذي يغرس في جسد الأمة الجديدة المتحررة .......... أعظم وأجمل هبة جاءت بها سنوات الكتم والاحباط أنها فجرت العبيد المحبوسين في القمقم منذ سندباد وعلاء الدين ولكن أكبر خطيئة انغمست فيها الشعوب الثائرة أنها انطلقت دون قيادة و دون فكر واضح محدد الأهداف ودون مراجع ثورية وأطر جامعة للفكر وترسيم الدروب لذلك كان من السهل ركوبها وتلوينها بصبغة من يسبق وكان ولا يزال من السهل اختراقها وتكريس الشر فيها وخلطه بما هب ودب خاصة من شرور متمترسة وقادرة في الزمن متمكنة ......ندرك حتما أن مسيرة كرة اللهب المتدحرجة لم تتوقف وإذا وصلت آبار النفط فسوف يكون الاشتعال هائلا وصيفا حارا جدا وقد يكون من السابق لأوانه ترسيم خيبة الأمل المعتادة التي ندمنها منذ نعومة أظافرنا ، لكن من الضرورة بمكان أن تفهم هذه الشعوب أن من يثور ويصيح لا قيمة لصيحاته ولا هدف لغضبه إن لم يصل صوته إلى فلسطين في نهاية المطاف ، ولا قيمة لعروبته إن لم تتمدد محبته وروحه خارج سياج وطنه بسياسة أو بدونها ، ولا وزن له إن لم يلتحم العربي بالعربي ليعود عربيا صرفا كما ذكرته قصص الروم والفرس.
  • »قوى الشد العكسي (lمحمد)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    كل شعوب الدنيا تسعى الى تحقيق الذات ،بكرامة وعزه وامجد ولكن للاسف الطغم الحاكمة في العالم العربي ومن اجل الحفاظ على كينونتها تحالفت مع قوى تسعى لخدمة شعوبهم وعلى حساب الشعوب العربية البائسه ، نعم شرق اوسط خالى الا من الفساد ، سوسة العرب
  • »التحول التاريخي (سعيد)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012.
    تشهد المنطقة تحولا تاريخيا لا يتوقع ان تتضح معالمه خلال سنوات قليلة. ان الجمود الذي يوحي بالاستقرار والذي سيطر على المنطقة لستة او سبعة عقود ماضية كان في حقيقته سقوطا نحو هاوية بلا قرار. والتحرك من النقطة التي وصلنا اليها صعودا يقتضي إيقاف السقوط اولا ثم امتلاك القوة على تغيير اتجاه الحركة وهذه تحديات المرحلة الحقيقية. لقد ساهم النظام العربي في صناعة امجاد اسرائيل التي تعيشها اليوم كما راكم البؤس والموت والتخلف في دول المنطقة المحيطة بها. وللقيام من موتنا ومواجهة اسرائيل وغيرها من التحديات أمامنا عمل كبير وسنوات طويلة لإعادة بناء الانسان والدولة ثم نستطيع بعدها ان نحاسب الربيع العربي على تراجع مكانة القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا.