د.أحمد جميل عزم

"هاغي-نتنياهو": تحالف الدين والمال الصهيونيين

تم نشره في الثلاثاء 20 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

تنقل "هآرتس" أنّ القسّ جون هاغي، رجل الدين الأنجليكاني الأميركي، والذي تصفه الصحيفة بأنّه قائد أكبر جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وصف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ليلة الأحد الماضي، وهو "نصف يمزح" أثناء حفل تأخر نتنياهو عنه، "أنّه المسيح المنتظر".  وقال إنّ هناك مقولة في اليهودية أنّ "المسيح سيأتي ولو تأخر". وفي تقديمه للجمهور عند وصوله، بالغ هاغي كثيراً، فتحدث عن فتوحات نتنياهو الاقتصادية والسياسية، وعن زواجه إلى سارة (في إشارة كما يبدو إلى اسم سارة التوراتي). وتحدث عن ابنه "جوناثان" المتعمق في دراسة العهد القديم، وكيف يستيقظ نتنياهو يوميّاً في السادسة صباحا ليدرسه مع ابنه. ويستمر هاغي بقوله: "لقد غير (نتنياهو) مسار المسيحية في أميركا، العام 2006، عندما سألني هل يمكن أن يتحد المسيحيون في أميركا لأجل إسرائيل؟". وقال: إنّ "إسرائيل القديمة لديها موسى الذي قادهم في الصحراء، ولديهم الملك داوود في العصر الذهبي، الذي فتح القدس، والآن لديهم بطل أمام الخطر الذي يهدد وجود إسرائيل". 
صحح نتنياهو بعض مبالغات هاغي، فنبه إلى أنّ اسم ابنه "أفنير"، وأنّه يقرأ العهد القديم أيام السبت، بعد الغداء.
وما يلفت النظر في طرح هاغي، عدا الخطاب الديني والمبالغة، توقفه عند دور نتنياهو في دعم القطاع الخاص، وتقليصه القطاع العام.
قبل مناقشة قصة "هاغي-نتنياهو"، لا بد من تذكر أنّ نسبة المسيحيين في القدس تراجعت من نحو ربع سكان القدس مطلع القرن العشرين، إلى نحو 1.8 % الآن، وأنّ المسيحيين الفلسطينيين تعرضوا لحملة صهيونية مدعومة بريطانياً منذ بداية القرن العشرين لتهجيرهم. وتحتاج تفاصيل هذا مناقشة منفصلة.
ولكن بالتعليق على علاقة المسيحية الصهيونية بإسرائيل، فإنّه لا يجب التقليل من شأن هذا التحالف، ولا يجب المبالغة كذلك.
تظهر دراسة في عدد مجلة "فورين أفيرز" الأخير، أعدها الأكاديميان ديفيد كامبل وروبرت بوتمان، مدى التحالف القائم بين "حزب الشاي" الذي تأسس في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، والقوي داخل الحزب الجمهوري، وبين المتدينين. ومعروف أنّ هذا الحزب يقوم على سياسات تدعم القطاع الخاص، وخفض الضرائب على الأغنياء، وتقليل دور القطاع العام والحكومة، وهو ما يتفق مع طروحات نتنياهو كثيرا، ويعكس تحالفاته مع الأثرياء الأميركيين والإسرائيليين. 
ولكن لفهم مدى قوة الصهيونية المسيحية بدقة، يجب تذكر فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية رغم تأييد المتدينين البيض لـ"ماكين"، بنسبة تصل إلى 76 %. وبحسب استطلاع تشير له الدراسة المذكورة، فإنّ 80 % من عينة مستطلعة العام 2011، رأت أنّه ليس مناسبا لرجال الدين إبلاغ السياسيين ماذا يفعلون. ويرى 70 % ضرورة إبعاد الدين عن الجدل في الشؤون الاجتماعية والسياسية. كما أنّ نسبة من يصنفون أنفسهم في الوثائق الرسمية بأنهم "بلا دين" ارتفع من نحو 5-7 % في الستينيات، إلى 12 % في التسعينيات، وصولاً إلى نحو 19 % العام 2011. وتشير الدراسة أنّه حتى في أوساط المتدينين، هناك ميل متزايد إلى الابتعاد عن السياسة. وأنّه مقابل تأييد المتدينين البيض للجمهوريين، يؤيد المتدينون من أصل أفريقي  الديمقراطيين.
إذن، هناك تحالف بين المسيحية الصهيونية، والصهيونية، ويرتبط ذلك بالأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال، وهو ما يعكس قدرة كبيرة على التأثير، والصورة الأدق هي حالة الاستقطاب في الشارع الأميركي، بما فيه بين المتدينين. ولكن المشكلة هناك أن الدين السياسي منحاز لإسرائيل، بينما الدين غير المسيس غير مكترث بالموضوع؛ أي إن المسيحية الصهيونية لا تجد تحديا عندما يتعلق الأمر بفلسطين وإسرائيل.
كذلك، يمكن الإشارة إلى أنّه في أوساط الكنائس الأوروبية، بما فيها البروتستانتية، جرت مراجعات واسعة في العقدين الماضيين، خلصت إلى مناهضة السياسات العنصرية الإسرائيلية، خصوصا في القدس.    
السؤال أنّ نتنياهو وكثيرا من الصهاينة يخطبون ود المسيحية الأنجليكانية للاتحاد لأجل إسرائيل، فأين القائد العربي الذي يوضح للعالم خطورة السياسة الصهيونية على حرية الأديان، وما يعانيه المسيحيون الفلسطينيون، والذي يطالب كنائس العالم، مثلا، بالوقوف ضد السياسات الصهيونية الإقصائية العنصرية، في مهد المسيح والقدس؟

التعليق