د.أحمد جميل عزم

رفيف.. سوسنة الصخر

تم نشره في الجمعة 16 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

تقف على مسرح كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (ساواس) في جامعة لندن، وتقول بالعربية: "اسمحوا لي أن أتكلم بلساني العربي، قبل أن يحتلوا لغتي أيضاً". وتُخبر الحضور بالإنجليزية أنّ عليها استخدام لغتها الأم، قبل أن يستعمروا ذاكرتها أيضاً. ثم تُعلِمهم عن قريتها بين حيفا ويافا، وتصف لهم فلسطين في عيون الأسير خضر عدنان الملونة، وتتحدث عن زوجة خضر، وتنطق اسم فلسطين بالعربية ضاغطة على الحروف، فتتعالى قبضات وصرخات شباب الجامعات اللندنية، تهتف باسم خضر.
ألمحُ بعيدا الفتاة البنغالية ترتدي جلبابا أسود، وجدتُها وزميلها في الشارع، فقاداني في دهاليز الجامعة وصولا إلى القاعة. وأخبرتني أنّها أكلت "أطيب بيتزا زعتر" في العيزرية، قرب القدس. ويبدو أنّها تقصد "مناقيش".. الأميركية "ليلى" القريبة تكاد تبكي بصمت، وروح خضر عدنان، الشيخ الوسيم، تسيطر على الكُل الصاخب.
عرفتُ رفيف كما عرفها العالم من خلال مقطع "يوتيوب" الذي انتشر بدون توقف في الشهور الماضية، متحدّية صحافيّا كنديا سألها لماذا لا يتوقف الفلسطينيون عن تعليم أبنائهم الكراهية، فردّت بقصيدتها المدويّة "سيدي.. نعلّم الحياة!".
تعمل رفيف بالتدريس في "ساواس"، وتستكمل الدكتوراه في كندا.
نسيتُ أن أسألها متى عرفَت بحكاية عائلتها أول مرة، ولا أعرف إن كانت تَذكُر ذلك. فقط قالت إنّ البداية كانت إخراجهم ضمن اللاجئين العام 1948 بحرا إلى لبنان. وأول ذكرياتها طفلةً، وقعُ قذائف وصواريخ الاجتياح الإسرائيلي للبنان مطلع الثمانينيات. وتَعتقد أنّها، والفلسطينيين محاصرون منذ ذلك الحين، ومطلوب أن يتنازلوا عن حقوقهم.
شِعرُها عباراتٌ قصيرة متدفقة تفصل بينها وقفات ألم، كطلقات رصاص باكية، بكلمات راعفة.
سألتُها: هل كنتم تتنقلون بوثائق سفر لبنانية؟ قالت: لا، كنا بدون وثائق! عاشوا بعد لبنان في تونس، وقبرص، واليونان، ثمّ كندا.
بينما كانت تُشارِك في احتجاج على الجرائم الصهيونية، أثناء دراستها في كندا، يُمثّلون فيه مشهد حاجز عسكري للاحتلال، ركلها طالب صهيوني وهي على الأرض، وقال لها تستحقين الاغتصاب قبل أن تلدي إرهابيّا. بعد أسبوع أطلقت الشِعر الذي طالما كتَبَتهُ لنفسها، خاطَبت الجمهور بقصيدتها "ظلال الغضب".
تتحدث عن أسبوع مناهضة الأبارتهايد (الفصل العنصري) الإسرائيلي، الذي قادته في لندن مؤخرا، وتقول إنّه انطلق في كندا العام 2005، ليصبح حدثا عالميا، نُظّم هذا العام في 112 مدينة حول العالم، بجهود متطوعين، وبدون تمويل يُذكر سوى تبرعات زهيدة من الأفراد، وأرسلت إسرائيل 100 شخص إلى بلدان مختلفة لمحاولة التشويش عليه.
بدا لي الأسبوع (الذي يستكمل جولته إلى عمّان هذا الأسبوع) كما رفيف، من عصر مجتمع الشبكات، وعالما ما بعد الفصائل، وما بعد الأُطر المنظَمة، ويَستخدِم التشبيك الالكتروني والشخصي. وقد سألني إعلامي عن اسم الهيئة التي يمكن أن يتصل بها ليغطي الأسبوع، فقلت له: لا اسم للمجموعة، هذا "عالم ما بعد الأسماء".
سألتُها: ألاحظ أنّكِ وناشطين آخرين مثل هويدا عرّاف، وريمي كنازي، لا تهتّمون كثيرا لمصطلحات السلام، وعندما يسألكُم الجمهور الغربي عن الأمر، تَردُّون بمصطلحات العدل والحرية؟ فقالت: "مشكلة لغة السلام في حالتنا أنّها أصبحت تعني السلام بدون العدل للفلسطينيين، "السلام" للإسرائيليين يعني فلسطينيين مستكينين في الضفة الغربية وغزة، يتدبرون أمورهم بصمت، بينما تواصل إسرائيل السيطرة على الحدود والاقتصاد وكل شيء".
في تصوّرها لأسبوع "الأبارتهايد" هو عن كل فلسطين. وتقول: "العدل، على أي حال يعني، حق عودة اللاجئين الذين هم غالبية الفلسطينيين". وتقول: " يتطلب هذا عمليّا أن نعود لنعي أنّ الفلسطينيين داخل أراضي 48 هم المُكوّن الأساسي لنضالنا لأجل الحرية. لقد فهم الشباب داخل مخيمات اللاجئين، والأراضي المحتلة، و48، وفي الشتات، المعنى الحقيقي لعملية السلام، وكيف هَدَفَت إلى تقسيم الفلسطينيين إلى "غيتوهات" معزولة. ونحن نسعى إلى إعادة تعريف الصراع لتحقيق العدل لكل الفلسطينيين".
تعرف رفيف وطنا اسمه فلسطين، وتعرف حدوده، وتقول في "ظلال الغضب": "ولدت أمي تحت زيتونة على تراب يقولون إنّه لم يعد لي، ولكني سأعبر حواجزكم، وصفوفكم، وجدار الفصل العنصري اللعين، وسأعود إلى وطني".
تركتُها وأنا أقول: "علّمتِ العالم الحياة"، وبعثتِها سوسنةً من الصخر...

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائعة (لنا حجازي)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    أنا من فلسطين،رفيف رائعة والمقالة معبرة جداً
  • »عمل عظيم (من القلب)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    عمل عظيم كونه غير مسيس وفكر غير مشوش ووعي لبعد السلام المزعوم تحت مظلة الركوع والخضوع.
    تحياتي
  • »يستحقون التحية والتقدير (جمال عزت)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    رفيف كانت دائما، وبرغم صغر سنها شعلة مضيئة تبث الحماس والوعي بين ابناء الجالية الفلسطينية والعربية في كندا، وتجدها على راس كل فعالية مع اقران لها بمثل سنها وحماستها يوقظون فينا الحس الوطني وحس الانتماء برغم حياة واجواء الغربة التي تداهمنا كل يوم لتشغلنا وتنسينا. ولا زلت اذكر ان ابنتي التي كان عمرها ثماني سنوات في 2006 وكانت بصحبتي في فعالية تشارك رفيف بالاشراف عليها، تاثرت ابنتي بنشاط واخلاص رفيف، وزاد وعيها حول القضية، ومنذ ذلك الحين وهي تحرص على متابعة كل ما يتعلق بفلسطين . فلرفيف ولزملائها كل التقدير.