هاني البدري

حروب جامعية!

تم نشره في الخميس 15 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

"مين اللي طفا الظو..؟"، سألني صديق ونحن نتابع بدهشة لم نشعر بها قبلاً، الأحداث المتتابعة لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، حين بدأت الطائرات تتساقط كالعصافير التي أصابها هدف، والأخبار تتوالى عن سقوط مركز التجارة العالمي وسقوط طائرة عند موقع بالقرب من البنتاغون وأخرى في نيوجيرسي، بالفعل أحسسنا وقتها أن أحداً قد ضغط على كبس الكهرباء، فأطفأ الأضواء عن العالم.
لكن ما علاقة ذلك بما يحدث بنا الآن، أشعر أن أحداً يحاول أن يفعل ذلك، كلما قرأتُ خبراً عن مشاجرة جامعية جديدة، وكأن المعارك الطلابية التي يتخللها إطلاق النار واستخدام الذخائر والأسلحة البيضاء والملونة.. أصبح عرفاً أكاديمياً أردنياً.
أتساءل، ما الذي يجري الآن، وما الذي تغير على الأجواء الجامعية الأردنية عما قبل، وهل أصبحت البيئة الجامعية التي عرفناها وعاشتها أجيال كاملة من الأردنيين قاصرة عن استيعاب مجموعات من الشباب الفتي، الذي يتحسس خطاه نحو المستقبل وبناء غد أفضل له ولأسرته ولمجتمعه.
وأين تلك القضية التي يمكن أن تثير فينا هذه الحروب البدائية الطاحنة، لا أجد في كل ما تابعت من مشاجرات ومعارك طلابية سقط ضحيتها العشرات وفُصل بسببها العشرات وقضي على مستقبل العديد من الشباب لأجلها، لا أجد سبباً مقنعاً أو قضية تستأهل أن نُعد لها كل هذه العُدة ونجهز أنفسنا لها بكل هذه الجاهزية القتالية وضد من؟!
هي منظومة القيم المجتمعية التي ذكرها جلالة الملك أول من أمس في البحث عن ظاهرة العنف الجامعي ما نحتاجه، وأكثر، إنه الحوار الذي لا يفسد في الود والمحبة والتعايش أي قضية، وتقبل الرأي الآخر والإدراك بأن آراءنا ورؤانا ليست مُنزلة، بل هي صحيحة تحتمل الخطأ ورؤى الآخرين تحتمل الصواب.
هي إذن البيئة الأكاديمية الصحية التي ترتقي بعقلية الطالب وإفساح المجال أمامه لتقبل كل الآراء في حوارات حقيقية، عقلانية وعميقة تضع الطالب على محك الخلاف وفهم أبعاده على قاعدة الاختلاف والتنوع واحترام الآخر.
فالحوار هو أساس الحياة، وأحد أهم المساقات الأكاديمية التي تتيحها المدارس منذ صفوفها الأولى، بحيث يستقبل الطالب حياته الجامعية، بصدر متسع للحوار وتقبل رأي الآخرين، مؤمنا بأن الاختلاف هو أساس التعايش وبذرة التقدم لأي مجتمع.
والصحيح أن الحوار المستند على الاختلاف والتنوع هو ما جعل من الصين والهند وأندونيسيا وماليزيا والبرازيل ما هي عليه اليوم من تقدم يسابق العالم.
الكرة في ملعبكم أنتم، رؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمخططون للعملية الأكاديمية الجامعية في تقديم نمط جديد يبني شخصية الطالب وعقليته على الثقة بالنفس والفهم وتقبل الآخر قبل أن نلزمه بامتحانات وواجبات دراسية ليس لها من التحصيل الجامعي إلا تلك العلامات البغيضة، التي أفضى مجرد البحث عنها كيفما اتفق، إلى هذا المستوى من التعليم ومن الأجواء الجامعية المشحونة.
أين حوار الأساتذة مع الطلبة، وأين أندية الحوار ومنتدياته في الجامعات، وأين مساقات الرأي والرأي الآخر والنقاش المفتوح ومهارات الاتصال؟!
وقبل أن نصل إلى إجراءات الفصل ولجان التأديب، لعلنا في أقصى حاجتنا الآن لتدارك الأزمة المتفاقمة حتماً، والتي هي ليست بمعزل عمّا يجري خارج أسوار الجامعات من حوار طرشان يطفئ كل الأضواء بفعل فاعل، فُندخل أنفسنا في ظلام دامس.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ومن جهة أخرى (القيسي)

    الخميس 15 آذار / مارس 2012.
    أخي الكاتب المحترم..
    لا شك أن على الجامعات، إدارة وكادرا ومناهج الكثير مما يجب عمله...لكن لا ننسى أن الطالب يأتي للجامعة من بيئته الاجتماعية ولا ينقطع عنها أيضا مدججا بالقيم والاتجاهات والتقاليد..والدلالة على ذلك أن خلفيات معظم العنف الجامعي تعكس ثقافة عشائربة، أو لنقل ثقافة اجتماعية لا يمكن نزعها من ذهن الطالب بسهولة.
    على الجميع تحمل مسؤولياتهم بما في ذلك الإعلام الذي يشجع بعضه على إقصاء الآخر بصرف النظر عن قرب أو بعد هذا الآخر.