شواهد إدارية مقلقة

تم نشره في الاثنين 12 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

نُقل عن أحد الوزراء الذي عاد في الحكومة الحالية إلى ذات الوزارة التي كان قد شغلها منذ زمن طويل، قوله: إن أقصى طموحه الآن هو أن يرى وزارته بالحال الذي كانت عليه حين غادرها قبل خمس عشرة سنة. قول الوزير نقله عنه مدير عاد هو الآخر قبل نحو شهر إلى دائرته التي كان غادرها قبل ما يزيد على عشر سنوات. وأحسست به وهو يروي ما نقله على لسان الوزير وكأنه يخشى أن يكون حاله مع دائرته كحال الوزير مع وزارته.
منذ منتصف التسعينيات، تعاني الإدارة الحكومية حالة واضحة من التراجع، وهي آخذة بالاتساع ومرشحة على ما يبدو لمزيد من الشواهد التي تدعو للقلق. وهناك كثير من التفاصيل في هذا الإطار يمكن الرجوع إليها في وثائق ديوان الخدمة المدنية ووزارة تطوير القطاع العام والمعهد الوطني للتدريب، وكذلك في تقارير اللجان الرسمية التي قامت خلال العقد الماضي بدراسة أوضاع الإدارة العامة.
لم يعد الأداء الإداري يتلقى الجرعة المؤسسية التي يحتاجها، لأن الهياكل التنظيمية غير مناسبة ودائمة التغير؛ والقواعد الناظمة للعمل غير مكتملة أو غير واضحة؛ والوصف الوظيفي غير موجود أو غير مفعل؛ وإجراءات القيام بالمهام تفتقر إلى الانتظام والاستقرار، فصار المخرج الإداري في أحيان غير قليلة صناعة عفوية، تقوم على الاجتهادات الفردية والآنية بعيداً عن المشاركة، ولا تستفيد من التغذية الراجعة، وتبتعد عن كونها تجربة تفاعلية يمكن مراكمتها والبناء عليها.
تراجع الإدارة العامة (الحكومية) في الأردن لم يأت دفعة واحدة، بل تسلل بالتدريج ودونما انتباه أو اكتراث ممن يعنيهم الأمر. وهذا التراجع لم ينتج عن سبب واحد، وإنما عن مجموعة من الأسباب. وأصل الأسباب ومحركها هو في الأغلب مصالح بعض أعضاء نادي صناع القرار، المحافظون منهم والليبراليون، ممن التقت مصالحهم، خصوصاً بعد أن لم ترق لهم اختيارات الشعب لنوابه العام 1989، وارتابوا من ولادة الميثاق الوطني العام 1991، فبدؤوا يعدون عدتهم لسد الطريق أمام الخيار الديمقراطي.
منذ مطلع التسعينيات والإدارة العامة (الحكومية) تعاني بشكل رئيسي من أمرين، هما: الإدارة غير الديمقراطية للشأن السياسي؛ وإدارة مؤسسات الدولة بأسلوب إدارة الأعمال. الأول أفرز قيادات إدارية لا تتمتع بالكفاءة والنزاهة، ودفع بها إلى مواقع إدارية عليا لا تستحق أن تشغلها. أما الثاني فأسهم في الإطاحة بتراكم خبرات الإدارة العامة التي تم بناؤها على مدار عقود؛ فثمة فرق كبير بين إدارة المؤسسات الخاصة وإدارة المؤسسات الحكومية وشؤون الدولة، والخلط بينهما يفتح مجالاً كبيراً ليس لسوء الإدارة فقط، وإنما للإغراء باستغلال الوظيفة العامة لخدمة المصالح الخاصة.
يحدونا الأمل أن يلد الربيع الأردني إصلاحاً شاملاً يترك للخيار الديمقراطي أن يفرد مفاعيله لتصل إلى الجانب الإداري الحكومي، فنرى إصلاحاً إدارياً يؤسس لتجربة تقوم على تشريعات متطورة، وتشاركية في الإدارة، وقيادات إدارية كفؤة ومناسبة، وأداء منسقاً، ومؤسسية في صناعة القرار الإداري على كافة مستوياته.
نذهب بعيداً ونعود للسياسة مجدداً، فبين السياسة والإدارة ارتباط وثيق. إذ إن إدارة الشأن السياسي ديمقراطياً تضع الشأن الإداري في إطاره المؤسسي، وتنأى به عن القرارات الفردية، ما يجعل من الإدارة السياسية الحصيفة متطلباً سابقاً للإصلاح الإداري الذي تمليه المصالح الوطنية نتيجة للمستجدات الدائمة في متطلبات الدولة واحتياجات مؤسساتها ومواطنيها.

akaf.alzoubi@alghad.jo

التعليق