د.باسم الطويسي

الصدمة الكهربائية وحماية المستهلك

تم نشره في الثلاثاء 6 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً


كشفت التعرفة الجديدة للكهرباء حجم الاختلالات الكبيرة في العلاقة بين المجتمع والسوق من جهة، وحجم هيمنة آليات السوق على صانع القرار الرسمي من جهة أخرى. وقد انكشف هذا الأمر الآن بصورة يجب أن يعي الرأي العام دلالاتها الحقيقية.
بات في حكم المؤكد أن الحكومة ستؤجل تطبيق التعرفة الجديدة للكهرباء إلى أجل غير مسمى، أو بعبارة أكثر دبلوماسية البحث عن بدائل وآليات أخرى للرفع. والمهم في الأمر أن قرار التراجع لم يأت تحت ضغوط القواعد الشعبية العريضة الأكثر تضررا من فاتورة الطاقة المتصاعدة، بل جاء رضوخا لضغوط السوق والتجار وفئات أخرى تعودت على مدى عقد ونصف العقد استثمار الظروف الطارئة والتحولات لتحقيق المزيد من الأرباح والفوائض، والاتجار بقوت الناس من خلال مسك الحكومات من اليد الموجعة، أي التهديد برفع الأسعار أضعاف حجم التأثير الفعلي للإجراءات الحكومية، بالاستناد على خبرة طويلة خلاصتها رضوخ الحكومات لهذه اللعبة.
هذا ما يحدث في قطاع المخابز الذي يهدد بالإضراب؛ أي استغلال لقمة الخبز! وهو سلوك تعودت حكومات ضعيفة الرضوخ له في قطاعات متعددة. تعرفة الكهرباء الجديدة لها أسباب موجبة، تتمثل في تراكم ديون الشركة الحكومية التي تجاوزت مليار دينار. أما المشكلة الحقيقية في التعرفة، والتي استهدفت الرفع لفئة المستهلكين الذين تتجاوز فاتورتهم 650 كيلوواط، فهي أنها جلابة للشبهة؛ فقد تصيب بعض الفئات من الطبقة الوسطى، ما جعل هذا الأمر الوسيلة التي تضغط باسمها السوق لوقف هذه التعرفة، إضافة إلى عدم قدرة صانع القرار على تطوير آليات تكبح جماح السوق في توظيف هذا الارتفاع لجني المزيد من الأرباح والفوائض بعيدا عن حجم التأثير الفعلي.
الموجة المتتابعة من انتهازية السوق باتت تستغل من قبل من له علاقة بالكهرباء ومن لا تشكل الكهرباء عنصرا أساسيا في العملية الإنتاجية الخاصة به ومدخلاتها.
في الوقت الذي شهدت فيه البلاد منذ بدايات سياسات الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة القطاعية عشرات القوانين ومئات الأنظمة والتعليمات التي ضمنت ما اصطلح على تسميته "توفير البيئة الاقتصادية الملائمة وتحفيز الاستثمار"، وكل ما يمنح السوق المزيد من القوة، بقيت الحزمة التشريعية الخاصة بحماية المجتمع في علاقته مع السوق محدودة وهشة في معظم الأحيان، وغير مفعلة كما هو الحال في قانون منع الاحتكار.
خلال السنوات الخمس الأخيرة التي شهدت موجات ارتفاع الأسعار وانكشاف المجتمع الأردني أمام تغول السوق، اتضح حجم انكشاف الدولة وضعف أدواتها، وربما ضعف إرادتها في حماية المجتمع. والجميع يذكر العجز الذي انتاب قطاعات واسعة أيام الارتفاع الكبير في أسعار النفط وانعكاساتها الجنونية على الأسعار، وهو ما تكرر مع الأزمة الاقتصادية العالمية وما يتكرر اليوم.
إصلاح علاقة الدولة بالسوق هو المدخل الحقيقي لإصلاح علاقة المجتمع بالسوق، بعيدا عن المزايدات السياسية؛ فالخميرة الحقيقية للتغيير تكمن في هذه الشبكة من العلاقات وعناوينها الرئيسية: إصلاح النظام الضريبي، إصلاح منظومة منع الاحتكار، واستعادة قوة حضور الدولة في تنظيم السوق وحماية المستهلك. وهذا لا يعني إضعاف السوق بل المزيد من القوة لها، لأن قوة السوق تعني المزيد من قوة الدولة. ولعل الصدمة الكهربائية الحالية تعيد لنا الصحوة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انتهازية السوق (امل)

    الثلاثاء 6 آذار / مارس 2012.
    مقال رائع وفعلا نحن نعاني من انتهازية السوق التي لا حسيب ولا رقيب عليها ولا يوجد ما يردعها ويضبطها واعتقد ان الحكومة اذا استطاعت ان تصل الى مرحلة ضبط السوق اذن تستطيع ان تحمي المواطن من التغول علية بالاسعار ولكن للاسف الحكومة غير قادرة
  • »استثمار في فقرنا (مها)

    الثلاثاء 6 آذار / مارس 2012.
    شكر ا ماذا يريدون منا ، هل يريدون الاستثمار في فقرنا ، وينتجوا عنا فيلم وثائقي يفوز بجائزة ويأخذوا الجائزة
  • »تنظيم الأسواق (عماد)

    الثلاثاء 6 آذار / مارس 2012.
    أشارك الكاتب أهمية تنظيم الأسواق، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية (التي برزت بشكل رئيسي نتيجة ضعف الرقابة على المؤسسات المالية) والارتفاعات المتكررة والحادة في أسعار المواد والسلع الأساسية عالمياً (وأبرزها الطاقة والمواد الغذائية). من المعتقدات الخاطئة ان الوسيلة الرئيسية للتنظيم هي تحديد الأسعار، وهذا غير صحيح. اذ ان هنالك العديد من الخيارات اللامركزية المتاحة للتأثير والموازنة بين الطلب والعرض في الأجل المتوسط والطويل في الأسواق، وللسلع والخدمات الأساسية معاً(كالمواد الانشائية وخدمات التعليم). يمكن على سبيل المثال تبني حزمة تشريعية وضريبية وتنظيمية متكاملة لحفز الاستثمار في قطاع الطاقة البديلة، مع اعتبار هذا القطاع ذو أولوية وطنية. وهذا عموماً يحتاج الى دراسات قطاعية معمّقة تدرس وضع المنافسة (والعنقود أو الانشطة المرتبطة والمساندة) في هذه القطاعات وكذلك تشخّص اجراءات ترخيص الأعمال الجديدة والقائمة، واجراءات الجمارك وقواعد التنظيم الحكومي وسياسات تشجيع الاستثمار المحلي والاجنبي وسياسات الائتمان الموجه وغيرها، كما يحتاج الأمر الى حوكمة وادارة حكومية فعالة وتعاون القطاع الخاص، وذلك لاعادة التوازن طويل الأجل في الأسواق الحرة وتحقيق النمو المستدام والموزع بعدالة في اقتصاد السوق.
  • »بركات العولمة (محمد)

    الثلاثاء 6 آذار / مارس 2012.
    اعتقد ان السبب الاساس في وهن الاقتصاد الادرني جاء نتيجة طبيعية لدوله عبرت عن ضعفها اقتصادها منذ البداية واعتمدت في اقتصادها على المساعدات واقنعت نفسها ومواطنيها بان مواردنا محدود ومع ذلك وقعت اتفاقية التجارة العالمية مع علمها بان اقتصادها لا يملك مقارعة اقتصاديات الدول الاخرى ، ناهيك عن بيع كل ماهو منتج فيها، فاقتصاد السوق لاحترم الا القوى.
  • »حكومات زياده الاعباء وليس تخفيفها (اردني بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    الثلاثاء 6 آذار / مارس 2012.
    عنجد الله يعطيها العافيه حكوماتنا الرشيده!!!!!!!!!
    انهم يصبوا كل جهودهم في اختراع طرق ووسائل لرفع الاسعار وتحصيل الاموال من جيب المواطن الطفران !!!!
    بحب احكي للحكومه عندي 1000 طريقه ووسيله لجبايه الاموال وتحصيلها من جيبه الفقراء ,
    اذا بحبوا يعرفوا عليهم ان يبعثوا طلب على ايميلي اعلاه.....