عن شبهات صناديق الاقتراع

تم نشره في الاثنين 5 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

الطيف السياسي الليبرالي على امتداد الربيع العربي، يطرح اليوم سؤالاً مشروعاً عن مدى صدقية صناديق الاقتراع، في ظل ظروف موضوعية تميل بشكل صارخ لصالح الأحزاب الدينية. فقد أدى تسييس الدين إلى ترجمة التعاطف مع الموروث الديني إلى أصوات سياسية تصب في صناديق الاقتراع، فضلاً عن استخدام الأحزاب الدينية لدور العبادة كمنابر حصرية لها، وتمتعها بإعلام ضارب من عشرات الفضائيات الدينية الممولة بسخاء من مصادر متعددة.
في ظل ظروف موضوعية تربط السياسة بالدين، تزداد مشروعية تساؤل الليبراليين العرب عن عدالة ونزاهة نتائج صناديق الاقتراع. إذ يتضافر الموروث الديني مع منابر تسييس الدين في دور العبادة، ومعهما الإعلام الديني المعزز بأموال النفط والمحافظين العرب، لضرب حصار قاس على التيار الليبرالي. مشروعية التساؤل تقود إلى مشروعية السعي للبحث عن صيغ ديمقراطية أكثر إنصافاً وقدرة على تحقيق منافسة عادلة مع الأحزاب الدينية أمام صناديق الاقتراع.
ليس ليبراليو العرب أول من شكا ديمقراطية صناديق الاقتراع؛ أصحابها في الغرب كانوا الأسبق إلى ذلك، وإن عزوها إلى أسباب وأهداف مختلفة. فالديمقراطية وصناديق اقتراعها صناعة خالصة للحركة الدستورية الغربية، وهي في صورتها الكلاسيكية ديمقراطية ليبرالية تقوم أساساً على الحرية. حررت السوق أولاً، ثم حررت الحياة السياسية، واختارت التمثيل النيابي للمشاركة في الحكم، واختارت معه صناديق الاقتراع آلية لاختيار ممثلي الشعب الذين ينوبون عنه في المشاركة.
ساد الاعتقاد لفترة طويلة أن الديمقراطية هي النظام الطبيعي للحكم، وكثيرون اعتبروها خاتمة الأنظمة السياسية. لكن ما إن برزت تداعيات الحرب العالمية الأولى، حتى بدأت الديمقراطية بالانتكاس في الغرب. فزحف موسوليني على روما وأسقط الحكومة المنتخبة في إيطاليا. ولم يطل الوقت حتى حملت صناديق الاقتراع أدولف هتلر وحزبه النازي لحكم ألمانيا، لتسقط ثاني ديمقراطية في أوروبا في أقل من عشر سنوات. بعد ذلك، بدأت الديمقراطية في الغرب تواجه أخطر تحدياتها بتصاعد تأثير لوبيات المال والصناعة، وفي مقدمتها الصناعات العسكرية، على صناديق الاقتراع، التي أيقظت النفوذ التقليدي للسوق الحرة في الحياة السياسية، وذكرت بما صرح به مبكراً مؤسس السوق الحرة آدم سميث بأن من يملك الذهب يصنع القوانين.
في الغرب، تعاني صناديق الاقتراع من ضغوطات لوبيات المال والصناعة. وفي البلاد العربية، تعاني من امتيازات الأحزاب الدينية وتسييس الدين. وللآن لم يفلح الغرب الذي نزع صفة القداسة عن ديمقراطيته في نزع أو تحييد تأثير ضغوطات لوبيات المال والصناعة على صناديق الاقتراع، وليس من المتوقع أيضا أن تفلح المجتمعات العربية، في المدى المنظور، في الإفلات من حصار الأحزاب الدينية لصناديق الاقتراع، لينعم الديمقراطيون الليبراليون العرب بمنافسة عادلة مع الأحزاب الدينية في الانتخابات النيابية التمثيلية.
في المدى القريب والمتوسط، تتضاءل الفرص أمام التيار الديمقراطي الليبرالي العربي للتخلص من المنافسة السياسية غير العادلة أمام الأحزاب الدينية، والإفلات من الحصار السياسي الذي يفرضه عليه الظرف الموضوعي. فالحل ليس سهلاً، وإنضاجه يتطلب تحولات يطول مداها. على أن ما يمثل أولوية في إنضاج التحولات المطلوبة، والسير باتجاه الحل، هو الاصطفاف الكامل والموحد لجميع ألوان الطيف الليبرالي في جبهة سياسية موحدة لتعزيز رؤاه وبرامجه، ومتابعة ما سوف تسفر عنه تجربة الأحزاب الدينية في الحكم من نتائج قد تدفع الناخبين إلى الالتفات للأداء السياسي العملي بعيداً عن التعاطف مع الشعارات الدينية.

akaf.alzoubi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الانتقال بين القسر والطوع (خالــد الشحــام)

    الاثنين 5 آذار / مارس 2012.
    شكرا دكتور عاكف ، مقال رائع وجميل للغاية ........ لم تكن الحال المتقدمة المنظورة لأي دولة اوروبية لتكون لولا وجود فعلي لسلطة صناديق الاقتراع ونفاذ سلطتها على العموم ، لا نستطيع الافتراض بوجود المثالية المطلقة في أي من الحالات لكن على الأقل يتوافر الحد الأدنى من المصداقية الذي استطاع الوصول بهذه الشعوب إلى بر الأمان ومستويات التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ........... على الصعيد التاريخي جربت اوروبا وشعوب اخرى عديدة تجارب مختلفة في الحكم من الديكتاتورية إلى السلطة الدينية وحصيلة هذه التجارب علمت هؤلاء أن الحياة لا تستقيم دون وجود الآخر واحترامه واعطائه حقه في الوجود وممارسة دوره في المجتمع من خلال صندوق الاقتراع ، على الصعيد العربي وربما العالمي فشلت النماذج الدينية من السلطة في اكتساب الأولوية في جاذبيتها وانتشارها وأفرزت من العيوب والمشاكل ما جعلها موضع نفور ........ في عالمنا العربي نحن لا نزال نغط تحت عباءة شيخ القبيلة بصورة أو بأخرى ، ربما ما طرأ من تعديل على مدى السنوات هو شكل وتحسين لعباءة ومسميات الشيخ والقالب الذي يتنفذ من خلاله وما صندوق الاقتراع وحقوق الانسان والتعددية والديموقراطية سوى باقة تجميلية من المسميات لإضفاء المزيد من التخدير في عقول القابعين بدفء تحت العباءة أو المنفيين في البرد بعيدا عنها ..... السنوات التي أعقبت النهضة الاوروبية الشاملة وأحدثت الانتقال التطوري في البنية العلمية والاجتماعية لم تغير من حال العرب إلا النزر اليسير ولم يتحقق منها الاستنساخ الايجابي بل على العكس ظلت النظرة المسيطرة هي أن تلك النهضة والانتقالات في تلك المجتمعات هي رجس من عمل الشيطان وكانت هذه العبارة بحد ذاتها تسيسا للدين واستغلالا خطيرا لتشويه النظرة القيمية للأشياء ، الطرف المقابل والذي ندعوه الليبرالي العلماني استقى أفكاره من خلال العيش والاشتراك في التجارب الغربية والتنعم بمزاياها ، وعندما تم طرح موضوع المحاكاة داخل المجتمعات الآصلية تم اتهام هؤلاء بشتى التهم والجزافات وحوصروا بدوائر دينية وقبلية وفئوية ونبذوا لأبعد الدرجات ، وبوجود منظومة حكم مهلهلة خاضعة لشيخ القبيلة لم يكن لآولئك أي نصيب في ارتقاء سلم الحكم وممارسة نظرياتهم وافكارهم وفي الحالات التي حدث فيها ذلك كان التأثير ضعيفا أو في مواقع لا تسمن ولا تغني من جوع ............في تقديري أن المحكات والتجارب القاسية التي تمر بها الأمم والشعوب هي القادرة على احداث تغيير جوهري في عقلية الأفراد والجماعات خاصة إذا لم يستفيدوا من تجارب مماثلة جاهزة أمام أعينهم .
  • »احترنا ياقرعا من وين نبوسك (موفق رميح)

    الاثنين 5 آذار / مارس 2012.
    لما كانت التيارات الاسلامية تحاول توصل للسلطة أو تعمل اشي بالبلد، كنتو تقولولها إذا انتو شاطرين تعالو نشوف رأي الشارع في صناديق الاقتراع! و كانت الديمقراطية عندكم كلمة وحدة: انتخابات، اليوم لما المواطن صحي و صار التزوير أصعب صارت الانتخابات كخة؟ لانسألك يا سيدي الكاتب أن تكون موضوعيا، ولكن فقط احترم عقولنا