إبراهيم غرايبة

الصراع على الدين

تم نشره في الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

"الدين أكبر وأعقد من أن يترك لرجال الدين".
ثمة صعود ديني كبير وجارف. وجعل ذلك من الدين موردا تتصارع عليه السلطات والجماعات والمؤسسات. وبطبيعة الحال، فإن المؤسسات والجماعات الدينية تجد لنفسها اليوم حقا في السلطة والتأثير، وفي احتكار فهم الدين وأحكامه والوصاية على النصوص الدينية. ويبدو أن المسألة اليوم تحتاج إلى جدل ونضال في مرحلة من التحولات السياسية قد تحول الدول والمجتمعات من الدكتاتورية السياسية إلى الدكتاتورية الدينية.
ثمة منظومة واسعة من التطبيقات والأحكام المتعلقة بشؤون الناس الفردية والجماعية. وفي الوقت نفسه، فإن ثمة نصوصا وأفكارا دينية متعلقة بها، وقد تشكل حول بعضها تراث راسخ متراكم التبس بأصل الدين، أو بدأ بمحاولة لفهم الدين وتفسيره، ثم اتخذ مسارا آخر مختلفا عن أصله ومنشئه، وتحول إلى دين "ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله" (آل عمران، الآية 78).
وفي الجدل الدائر اليوم حول الأفكار والمحاذير والتنبؤات المتصلة بصعود دور الدين في الحياة والسياسة، ربما نحتاج أن نوضح ما هو إنساني وما هو ديني، ثم نحدد من الديني ما هو فردي لا علاقة ولا شأن للسلطة أو المجتمع به، وما هو متعلق بالسلطة والمجتمع. وسيكون الجدل بالطبع حول الأحكام والأفكار المتعلقة بالسلطة والمجتمع، إذا استطعنا أن نتفق على الحرية المطلقة في العبادة والاعتقاد والسلوك والفكر.
السؤالان الأساسيان في الجدل حول الدور الديني للدولة، هو هل للدولة دور متعلق باعتقادات الناس وشأنهم الديني أو سلوكهم الفردي والشخصي، سواء كان مخالفا للدين أو متفقا معه؟ وإذا بادرت الجماعات والمؤسسات الدينية إلى فك الارتباط بين السلطة والمجتمع وبين السلوك الفردي في الحياة والاعتقاد والعبادة واعتبار ذلك شأنا يخص الفرد ويتحمل مسؤوليته "فردا" ولا علاقة للسلطة والمجتمع به، فإنه إنجاز متقدم.
بالطبع، سوف يردّ على هذه المقولة بالسلامة والمصالح العامة التي يمكن أن تضر بها الحريات الفردية. وهو ردّ صحيح، ولذلك سيكون ثمة جدل وخلاف على حدود الاستثناء في الحريات الفردية. ولكنها خطوة متقدمة أن ننتقل في الجدل متفقين على الحريات الفردية إلى الجدل حول الاستثناءات.
والسؤال الثاني هو كيف نوائم بين الاجتهاد والارتقاء الإنساني في الحكم والسياسة، وبين الخطاب الديني الموجه للسلطة والمجتمع؟ الكثير من هذا الخطاب قابل للمواءمة والانسجام، مثل الحريات والحقوق العامة والعدل. وبعضه يحتاج إلى جدل وتوضيح، مثل الفنون والموسيقى والاختلاط والعلاقة بين الرجل والمرأة، ودور المرأة وسلطتها، وضرب الزوجات، والتبني، وتعدد الزوجات، والحدود والعقوبات.
لقد تحول الدين بفعل نشاط المتدينين ورجال الدين، أو حدث ذلك بفعل تطورات وتفاعلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، إلى شأن يفوق قدرة رجال الدين وعلمائه على الاستيعاب والإحاطة وادعاء الانفراد بفهمه ومعرفته، وصار شأناً متصلاً بحياة الناس ومواقفهم وصراعاتهم، وجزءاً من معظم المعارف والتخصصات العلمية. وأصبح رجال الدين وعلماؤه شركاء مع غيرهم، وربما أقل من الكثير من الشركاء الآخرين من العلماء (الدنيويين) والساسة والنشطاء الاجتماعيين، والمستثمرين والاقتصاديين أيضاً.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مثير للاشمئزاز كالعادة (مستر)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    لماذا لا يجرب الشعب الدين بعد أن جربوا الفاسقين؟ ... إياك أن تنحي الدين عن الحياة... بل عن الوجود... لأنك بذلك تصبح إنساناً مادياً لا يعتقد بوجود إله... وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون... وأعتقد بأنك تستشهد بالآيات؟ فهل تؤمن بهذه الآية: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون؟ هل تعرف لماذا أنت مخلوق وموجود؟
  • »العصمة للامة (عاصم)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    ليس في الاسلام طبقة موحدة ومغلقة تحدد الصواب من الخطأ الشرعي كما في الدولة الثيوقراطية، بل مجتمع متعدد في فروعه موحد في دستوره (نظامه العام)، والعصمة فيه ليست لفئة بل لمجموع الأمة.
  • »جوهر الدين الاسلامي (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    فأنا كعربي نصراني ارثدوكسي أتمنى من دين قوميي ووطني الأسلام الحنيف . وأعتز ان اكون جزءا هاما من حضارته وتاريخية المجيد وبمستقلبه المخيف .أود من صميم قلبي لو عاد المسلمون الى جوهر دينهم منذ ولادة نبينا العربي محمد ، صلى الله عليه وسلم ،حتى ارتفاعه الى السماء بالقدس الشريف .وأن يكون القرأن الكريم ، وألأحاديث الشريفة والسنة الأسلاميه هي فقط ما يتبعون ويؤمنون به .فعند استلم الخلفاء ، انشطر الأسلام الى شطرين ، وكثرة الفرق وألأحزاب والجماعات الدينية والخوارج والمذاهب والفتاوي المتعددة فقد الأسلام قيمته المعنوية ، وأصبخ يديره بشرا حسب رغباتهم وأطماعهم وسلوكياتهم ونسلطاتهم حتى حروبهم ضد بعض وكثرة الانقسامات والتفرقة بين دين محمد الذي جاء ليجمع وليس الفرق ..فابتعدت التعاليم السماوية ، وأصبح قادتها بشرا ..واليوم نجد الاسلام السياسي ..فمعروف لدى الجميع ان لا دين للسياسة ، وعلى السياسين الكذب والتحايل والخداع ليصلون الى مآربهم ..أهذا ما نريده لدين محمد ولقرأن الله ولسيرة نبينا العربي ..عودوا يا اخوتي الى رسالة الأسلام الحقيقية. النبي والقرأن الكريم والسيرة النبوية وابتعدوا عن ما فعله البشر بدين الاسلام
  • »الحل هو (SAMER)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    الحل الوحيد بفصل الدين عن السياسه والا سنبقى ندور في حلقه مفرغه
  • »مقال رائع (مسلم)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    أتمنى أن نعقد حوار عام على هذا الموضوع الهام الذي يتكلم عنه لكنني واثق بأن الرموز الدينية ستعارض مثل هذا الطرح...شكرا على مقال رائع
  • »أكثر من رائع (سوزان عفيفي)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    أعتقد بأن الأستاذ ابراهيم في مقاله كان من أكثر الكتاب الذين أصابوا في طرح الفكرة بأسلوب سلس ومكثف، استطعت يا أستاذ أن تعبر عن حقيقة ما يتعلق بتولي رجال الدين للسلطة والاشكاليات التي سيخلفها هذا الدور، في حين أن الدين يجب أن لا يتصل بالسلطة ولا بالسياسة، نحن بحاجة إلى إعادة مفهوم السلطة السياسية عبر وجود دولة مدنية تحكمها القوانين الوضعية التي تتلاءم مع مفهوم المواطنة الصحيح، من خلال ممارسة فعل سياسي يخدم حقوق الإنسانية كافة، ولا يخدم مصالح فئة بعينها، هذا المد الإسلامي للسلطة السياسية أصبح يخيف الكثير من دعاة قيام الدولة المدنية الذين يرتقون في مفهومهم للسلطة إلى اعتبارات الحريات الشخصية والحقوق الإنسانية، وفي الختام أعتقد بأن ممارسة رجال الدين للسلطة وسعيهم الحثيث نحوها ناتج عن توقيع صفقات سياسية مع أطراف السلطة التنفيذية لتقدم كل جهة منهما خدمات تسهل تحقيق أهداف الجهة الأخرى.. وبالبلدي الله يستر من القادم!
  • »Great Job (Dr. Majd Hawari)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    مقال اكثر من رائع