هاني البدري

لم ينجح أحد!

تم نشره في الخميس 23 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

يحكى أن إحدى قنوات التلفزيون اليابانية كانت تنقل في بث مباشر لقطات حية لليوم الأخير السنة الدراسية من أمام إحدى المدارس اليابانية، وترصد خروج الطلبة من بوابة المدرسة، بعد أن قرع جرس اللحظات الأخيرة من ذلك العام الدراسي، كانت الكاميرا التلفزيونية تنتقل بين وجوه المئات من الطلبة المغادرين فيما مذيعة القناة تستطلع آراءهم ومشاعرهم وهم يودعون عناء عام دراسي كامل.
تحدث الطلبة عن خططهم خلال الإجازة، فمنهم من أعد لرحلة سياحية أو فترة استرخاء، ومنهم من خطط لعمل صيفي طبقاً للُمورِثات الجينية اليابانية التي تبغض الإجازات الطويلة، وتكافح لتخفيضها. في خضم هذه المقابلات رصدت الكاميرا بضعة طلاب يقومون بتمزيق الكتب المدرسية في انفعالية تعبر عن سعادتهم الغامرة بوداع العام الدراسي، مزقوا المراجع ونثروا الأوراق والكراريس، وعند سؤال المذيعة لبعضهم عن سبب ذلك، عبروا ببساطة عن ابتهاجهم بهذه اللحظات الخاصة من عمر الطالب.
لم تنته الحكاية، فقد ثارت عاصفة بين صفوف اليابانيين صبيحة اليوم التالي، وتعالت أصوات الهيئات والمؤسسات التربوية، معتبرة أن ما جرى ما هو إلا كارثة نزلت على رأس الأمة اليابانية، وذهب اختصاصيون وأكاديميون لأبعد من ذلك حين اعتبروا ذلك، بداية النهاية لليابان ولحضارتها مطالبين المسؤولين بتحمل مسؤولياتهم.
لم يتوار وزير التربية والتعليم الياباني عن الأنظار كما يفعل وزراؤنا عندما تلم بالأُمة كوارث حقيقية هي من صنع أيديهم، طلب اجتماع طوارئ للحكومة والبرلمان لُيعلن استقالته أمام ممثلي الأُمة اليابانية، مؤكداً "لا استحق أن أكون وزيراً في بلد يمزق فيه الطلبة كتبهم فرحين بمغادرة مدارسهم إلى الإجازة.. في بلد ينفر أبناؤه من المدارس".
انتهت الحكاية اليابانية
وعدنا أدراجنا إلى البلد الذي ما يزال طلبته يمزقزن كتبهم ويمسحون ما تعلموه من أدمغتهم، وينسفون كل ذكرياتهم المدرسية عند آخر جرس مدرسي يقرع في اليوم الأخير من العام الدراسي.
إلى بلدنا الحبيب الذي ذكرَتنا نتائجُ التوجيهي في بعض مدارسه، بالنتيجة الأزلية لمدرسة الأخلاق الحميدة في مسرحية مدرسة المشاغبين (لم ينجح أحد)، وكأن فيروساً أو وباءً حل في كامل الجسم الطلابي، فلم يفلت أحد من العدوى، ولكن ما بال الهيئة التعليمية في تلك المدارس وهل أُصيبت بدورها بالعدوى؟
إلى البلد الذي ما يزال الضرب المُبرح، الذي يمتزج بمشاعر كراهية واحتقان وعنف، هو المشهد الملازم لمدارسه الحكومية، حتى أصبحت قصة الطالب الذي فقد بصره أو الآخر الذي أصيب بالشلل من قصص الواقع التربوي الأردني بامتياز.
إلى البلد الذي يخطئ فيه الكمبيوتر، فيُصدر نتائجَ توجيهي مغايرة لتلك الحقيقة، وقبل إعلان تعديلها يكون قد انتحر من انتحر، وانكسر من انكسر، وفيه أيضاً وفي أحسن الأحوال تؤجل النتائج لتبقى آلاف الأسر تتقلى على جمر الانتظار والقلق.
وأخيرا إلى البلد الذي تتحكم في بعض مدارسه الخاصة إداراتٌ لا تؤمن بما يسمونه "الرأي الآخر"، فتشطح في رفع الرسوم الدراسية وقتما شاءت، وكأنها في بلد آخر.. لا أزمات اقتصادية فيه، ولا أربابَ أسر يُفرَمون كل يوم ليؤمنوا بعض ما يحفظ كرامتهم أمام عيون صغارهم.
لا أدعو هنا، أحداً لاستقالته (لا قدر الله) على خطى ذلك الياباني الذي استكثر على نفسه المنصب جراء "الكارثة الكبرى"، وأعرف ان الدكتور عيد الدحيات الذي احترم، جاء إلى تَرِكَةٍ لا يعلمُ ثقلها إلا الله. ولكن أرى أن حكوماتنا تاريخياً مثل تلك المدارس المنكوبة في الأغوار.."لم ينجح أحد" ولم يستقل أحد يوماً.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انا كنت احد المدرسين في احدى المدارس التي لم ينجح فيها احد في الاغوار (سلام)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    هل تعلم اخي الكاتب باني كنت مدرس لطبة الاول ثانوي حاليا هم التوجيهي الذين لم ينجح احد منهم وكان تعدادهم يتجاوز 30
    لا يعرفون جواب 5× -4
    هل تعلم بان 70% منهم لا يقرأ ولا يكتب
    هل تعلم بانهم يريدون فقط شهادة توجيهي راسب
    وماذا وماذا وماذا
  • »هم ايضحك وهم ايبكي (Hana)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    اشكرك اشكرك اشكرك
    هذا مقال رائع
    ضحكت وبكيت بنفس الوقت لحالنا ، فنحن نريد الشهادة وفقط وليس المعرفة و ترى ان المهندس لا يفهم الا بالهندسة والتقني لا يفهم الا بالكمبيوتر والمحاسب...الخ فأنا ارى انه يجب "معرفة شيء عن كل شيء ، وكل شيء عن شيْ" . يا ترى كم طالب مدرسة يقرأ الصحافة اليومية او قصة في طريقه للمدرسة ؟

    اتمنى من كل شخص لديه اطفال ان يعلمهم القراءة "المطالعة" وليس فقط "النق" على الفروض المدرسية والامتحان.
  • »وضع مزمن والله المستعان (ايثارالحمود)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    من ازمة امتحان التوجيهي المزمنة لاسعار المدارس الخاصة اللي بارتفاع مزمن للهبوط في مستوى التدريس في المدارس الحكومية بصروة مزمنة الى الضرب المزمن في المدارس بدون رحمة سيبقى وضع التربية والتعليم في بلدنا بمرض مزمن
  • »راعوا الله يا كتاب !!! (الهيئة التعليمية !!!!!)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    شكرا للكاتب الذي يبدو انه لم يسعد بقرار رفع علاوة المعلمين و انتصارهم الشرعي !!!!
    نحن لا نضرب و نشوه فقط كما ذكر في المقال و نحن لم نصب بالعدوى !!!!
    هناك اسباب كثيرة تسبب عدم نجاح احد ليس فقط تقصير المعلم . ربما لا يكون هناك معلمون كفاية في تلك المدرسة كما تعاني كثير من المدارس في المناطق النائية .
  • »والله انقهرت (wafaa)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    مقال رائع يصور الأهمية الكبيرة التي يضعها الشعب الياباني للدراسة والمدرسة انا الآن عاجزة عن كتابة اي كلمة لأني صراحة ((انقهرت))منهم كتير ليه احنا ما يكونوا طلآبنا متل هيك ؟؟؟انا اعرف 100سبب يجعل الطلآب يكرهون المدرسة ولكن لماذا اكتبهم !!!!!!!!!!!
    مقال رائع سلمت يداك