ياسر أبو هلالة

المعلمون في قلب عملية الإصلاح

تم نشره في الخميس 16 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 16 شباط / فبراير 2012. 02:29 صباحاً

من المهم القول، في أجواء التشويش والتخوين، أنني لم أجلس في حياتي مع رئيس الوزراء عون الخصاونة. واستمعت مع والدتي، وهي معلمة متقاعدة عملت في التعليم منذ تخرجها من معهد معلمات رام الله في 1964، إلى حديثه في برنامج ستون دقيقة. ووالدي، رحمه الله، من قبل كان معلما ومؤلفا لمناهج اللغة العربية. وأنا بدأت حياتي مدرسا، وقد تشرفت بالتعرف شخصيا على كثير من قادة حراك المعلمين أثناء تغطيتي له في محافظات المملكة جنوبا وشمالا. أي لو كانت المسألة اصطفافا، لكنت في صف المعلمين لا في صف رئيس الوزراء.
المسألة أكثر تعقيدا من الاصطفافات السهلة، بل هي تمس أولى أولويات حياتنا اليومية. تحدث رئيس الوزراء بلغة عاقلة محترمة عن جميع الخصوم، بمن فيهم المعلمون، ولم يكن شعبويا يفتقر لأصول رجل الدولة، ولا استعلائيا بعيدا عن الشارع. هو بحكم موقعه خصم للمعلم، وللمهندس، ولعمال المياومة، وللمتقاعدين العسكريين، ولكل طالب زيادة. فالموازنة أمانة، وعليه أن يوزعها بعدالة وإنصاف على الموظفين والمتقاعدين والمشاريع والمؤسسات، وفق الأولويات التي تراها أكثرية النواب التي تقر الموازنة.
مأساتنا ليست في الفساد والهدر، بل في توزيع أولويات الإنفاق أيضا. فعندما يكلف تقاطع طرق ثلاثين مليون دينار في بلد فقير، في عهود سابقة، فهذا أسوأ من الرشوة والاختلاس وكل أشكال الفساد. اليوم، لو كان في الموازنة نفقات من هذا القبيل لوجب أن ترحّل لصالح المعلم. وعلينا أن نناقش بشفافية ومسؤولية كل بنود الموازنة، ولا شيء، لا شيء، حقيقة يتقدم على التعليم والصحة. فلا يقبل أن يكون مستشفى الجامعة، المفخرة العلمية التي خرجت أجيالا من أفضل الأطباء في العالم، مهددا بالإغلاق بسبب عشرين مليون دينار، ومثل هذا المبلغ يدفع على بنود أخرى حتى لو كانت القوات المسلحة.
لا تحقق الزيادة، حتى لو تمت، إصلاحا في التعليم. ما يحققه، وهو الإصلاح الحقيقي، توزيع الإنفاق بشكل يجعل التعليم الأولوية الأولى في المجتمع، متقدمة على الأمن والدفاع والأشغال. بمعنى أن تضاعف الرواتب والحوافز للمؤهلين الأكفاء، ويحال سواهم إلى التقاعد، ويعاد الكفؤ المتقاعد إلى الخدمة بحوافز. وعندما يتحول التعليم إلى الأولوية وليس مجرد أولوية، يحدث الإصلاح الحقيقي. اليوم، ما يجري هو نوع من الإصلاح السياسي، بحيث يؤطر المجتمع من خلال جماعات الضغط "اللوبيات". وهي في كل الديمقراطيات تلعب دورا حاسما لا يقل عن الأحزاب السياسية، ولكنها لا تنافسها بل تستخدمها لتحقيق مطالبها.
من مصلحة الحكومة، قبل مصلحة المعلمين، التوصل إلى حل. فالتصعيد لا يخدم أحدا، وستكون النتيجة كارثية تربويا وسياسيا. إن حصاد ثمار الحراك الإصلاحي لم يتم حتى الآن، والمأمول أن يكون وفيرا في عام "يغاث فيه الناس وفيه يعصرون". والمحذور أن تنجح قوى الفوضى في حرق ما زرع في عام؛ فتلك القوى عاجزة عن تحقيق أي حضور في أي مشهد ديمقراطي، وما يهمها تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وصولا إلى فوضى يعلو فيها صوت الضجيج والصراخ.

yaser.hilila@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غير طريقة التعليم (نادر شهاب)

    الخميس 16 شباط / فبراير 2012.
    نعم, دعم المعلم ماديا مطلوب ولكن يجب أيضا العمل على تغير أسلوب المعلم في التدريس من حيث الاتقان و الالتزام حيث يظهر بشكل واضح أنه أقل من مستوي التدريس في المدارس الخاصة. أما بخصوص توزيع الانفاق فهي فعلا المشكلة الاكبر ليس فقط في المثال عن إنشاء تقاطع بمبلغ كبير ولكن أحيانا يتم إختيار الموقع الخطأ لإنشاء تقاطع مكلف في منظقة غير مزدحمه.
  • »المعلم...اولوية قصوى (علاء يحيى)

    الخميس 16 شباط / فبراير 2012.
    اشكر للكاتب بعد النظر لديه، فالمشكلة الحقيقية هي فعلا في اولويات الانفاق ويجب ان يكون المعلم بالمرتبة الاولى. اعادة الاعتبار لقيمة المعلم وكرامته هي اعادة لرفعة الدولة وكرامتها.
  • »المعلمون في قلب الحدث (Nidal)

    الخميس 16 شباط / فبراير 2012.
    الاستاذ ياسر ابو هلاله المحترم
    انا من المعجبين بكتاباتك ,وفقك الله والا الامام.
    انت محق هل يوجد اهم من الصحه والتعليم في المجتمع ,انا مع المعلمين ومع حقوقهم.
    تحياتي لك
    سامر
  • »الحلول المجزأة بلا فائدة (خالــد الشحــام)

    الخميس 16 شباط / فبراير 2012.
    شكرا لمقالك سيد ياسر ....... شخصيا أحمل كل الاحترام والثقة بشخص السيد رئيس الوزراء وطريقة تعاطيه مع المواضيع المختلفة وأعتقد أن الرجل يمتلك ما يمكن البناء عليه وبقوة ، لكن يبدو أنه أسقط في التوقيت البالغ الحساسية لانقاذ ما يمكن انقاذه ، لا يستطيع أحد أن يقلل من حجم وثقل الضغوط والمسؤولية التي يمكن أن يحملها شخص مثله وحتى فريقه بأكمله ولسنا هنا في موضع الدفاع عن أحد .......... مسألة حقوق المعلمين مثلها مثل قضايا أخرى كثيرة انفجرت في تزامن واحد وكلها تستنجد وتتطلب علاجا سريعا ومنصفا ولكن من المستحيل ومن غير المنطقي علاج الأمور بالتجزئة أو التأجيل والتهرب ومن المستحيل أيضا اقناع الشرائح المختلفة بتأجيل استحقاقاتها أو تنصيفها بعد كل ذلك الاجحاف والانتظار ، حجم الأزمات والمطالبات والمشاكل التي تتوالى يوميا يشبه خزانا بدأت ثقوبه تتفتح من الصدأ الذي نخره عقودا وبدأت خيوط المشاكل بالسيلان من هنا وهناك ولا نكاد نستقر عند حواف أزمة حتى نستيقظ صباحا على تفتق أخرى ، في ظل هذه الظروف يبدو أنه من المغري تماما لكثير من الكتاب والناطقين أن ينحازوا تحت حق عام والاصطفاف في طابور المصلحين الجدد وكل من يقف في الطابور الحكومي يبدو اليوم أقرب لعدو الاصلاح أو المتكسب المأجور ، ولكن من موقع الوسط يمكن القول أن الأمر يتطلب النظر بعين التوازن لكلا طرفي المعادلة والتعامل بمنطق أننا لسنا في معركة حياة أو موت وإنما هي شراكة الحياة والدولة وسبل تصريف الأمور......... الفكرة الجوهرية في الحدث أنه لايمكن حل ما نراه من تفاعلات بإعطاء حقنة فردية لعلاج أزمة ما ، فإعطاء المعلمين مجرد علاوة يطالبون بها لن ينهي القصة ، ولن يكون الحل بإعادة ضبط الموازنات ولا هو وضع الفاسدين في واجهات السجون ، آن ألاوان أن نسمع خطابا حكوميا اصلاحيا جذريا يبدأ بثقة وبشكل واضح في الخطوط العريضة التي لا تخفى على أحد ليفهم عامة الناس أن هنالك تغيرا حقيقيا ومحاولات جادة للخروج من جـو التشكيك واليأس والاحباط الذي يترجم لدى قطاعات واسعة إلى مظاهر بعيدة عن الاستقرار الذي ننشده جميعا ، لكن ما صيغة الطريق وما شكل الاجراء الحكومي لفعل ذلك ؟ يبقى هذا رصيدا في اقتراحات ابداعية يخرج بها الجميع .