العالمُ صار قرية: أين القرويون؟!

تم نشره في السبت 11 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

العالم يتحولُ إلى قريةٍ صغيرة..
وهذا يُفسّرُ إذاً أصوات الذئاب، ويجعل هذا القتلَ مفهوما!
قريةٌ بلا أشجار خضراء، أو تين نَديّ ولا ضحكات خجولة، ومرحة على الطريق الترابي.
قرية ساذجةٌ؛ كل طموحات أهلها أن يأخذوا صورة تذكارية مع لاعبٍ من "برشلونة"!.
قريةٌ بلا قرويين. وبلا دِيَكة. يرى الناس ليلاً ظلالَ لصوصٍ، وكل ليلةٍ يسمعونَ شهيق قطارٍ مسافرٍ، لم يروه مرّة قبل ذلك!
الآباء يخرجون للصيد، فيصيدون حَماماً مريضاً لا يصلُحُ لكتابة الشِعر، والأبناء يتذمرون من ضيقِ ذات القريةِ ويحلمون بـ"الأميركية الفُصحى"!
القريةُ مُصابةٌ بالصور: فوتوغرافيون أجانب يُصوّرون آثارها القديمة، عاشقون هواة يُصوّرون الغروب للدلالة على رومانسيتهم، صحفيون يُصوّرون بيوتها المتداعية، رجالها يتصوّرون مع السائحات، ونساؤها "يتصوّرن" أن الأمر مجرد مزاح لتجميل صورة الوطن!.
قريةٌ بلا دكانٍ صغير على بابها، ولا ساعي بريد على دراجةٍ هوائية، ولا مختار يفضُّ الخلاف بين امرأةٍ وزوجها، أو بين امرأةٍ وبائعٍ جَوّالٍ يغشُّ في العِطر والحنّاء!
الغيم أصفر. وعيون النساء صفراء. وأصابعهن شاحبة. ولا يذهبن لعين الماء..
 عينُ الماء فقأها بقدمهِ غريبٌ مرَّ ليلاً!.
قالت امرأةٌ لصديقاتها: منذ ثلاثة أبناء ماتوا؛ عُدتُ طفلةً. ثمَّ جَرَّت أحفادها خلفها وراحت تُعلّمهم كيف يحفظون اسم العدوّ غَيباً!.
قريةٌ بلا ضوء، لكن العتمة موزعةٌ على البيوت بالتساوي. وبلا حُبّ لكن عدد الأرامل واحدٌ، وبلا أسماء للسكان: يركضون بأرقام موحدةٍ على ظهورهم، .. وبلا طيور فالسماء لا تكاد تكفي لطائرةٍ مقاتلةٍ صغيرة!.
القريةُ، التي صارها العالم، تشبهُ الأفلام القديمة عن مُدنٍ مكتظةٍ بالعصابات، وأكياس المال والموتى .. ولا يتحركُ على الشاشة غير غرابٍ يزعق ؛ كأنّهُ يظلُّ يخطئ في عدّ القتلى!
لا أحد في القريةِ سوى روائح الذين خرجوا مُبكّرين؛ ولن يعودوا، وظلّ ضخم يُحوّمُ فوقها: ظلُّ الطائرةِ الحربيةِ ليلاً، وظلُّ الغراب الضخم نهاراً!.
العالم صار قريةً أميركية، لا تعرفُ مجنونَ القرية الطيب، أو المؤذن يفزع بصوته لامرأةٍ ضَيَّعت طفلها، أو الفرّان الذي يحفظ أسرار الزوجات والبنات،.. قرية تشتري البخور بالدولار، ولا تفهمك إن قلتَ لها: كُنّا في قريتنا نُغني للقمح ليظلّ أخضر!.
قريةٌ بربطات عنقٍ ملونة، وبنايات شاهقةٍ، وجدرانها لامعة لا تصلحُ لكتابة الشعارات .. وقرويون نسوا القمح في أكمامه، ليجاملوا جيرانهم الإسبان في أحداث المباراة!.
العالمُ صار قرية.. لكن القرويين ماتوا، وفي جنازاتهم صدحت موسيقى عالمية!

ibrahim.gaber@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »في القرية شقة مفروشه!!! (عمر الجراح)

    السبت 11 شباط / فبراير 2012.
    ابدعت يا ابراهيم... و ان كان العالم اصبح قرية صغيرة فماذا يكون عالمنا العربي في هذه القرية؟؟ ربما شقة مفروشة !!! و كما قال نزار:-
    هـذي البـلاد شـقـةٌ مفـروشـةٌ ، يملكها شخصٌ يسمى عنتره
    يسـكر طوال الليل عنـد بابهـا ، و يجمع الإيجـار من سكـانهـا ....
    و يطلب الزواج من نسـوانهـا ...
    و يطلق النـار على الأشجـار
    و الأطفـال
    و العيـون
    ....
    والضفـائر المعطـره
    و طبعا عنترة( و ربما له اسماء كثيره منها بشار مثلا) من قبل هذي الايام باع فرسه بلفاتي تبغ و قمصان مشجره!!!