د.أحمد جميل عزم

"وليد الخطيب".. أحببنا حبهم لك

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

قاومت على مدى الأسبوع الماضي الربط بين فيلم قصير شاهدته مؤخرا، وخبر قرأته، ثم استسلمت! فيلم تأبين "وليد الخطيب"، ويمتد 7 دقائق و55 ثانية، وخبر يتعلق بشركة آلات التصوير العالمية "كوداك"!  كم شخصا اسمه وليد الخطيب؟ ربما مئات أو أكثر!
سيشدك الذين تحدثوا عنه حتى إن لم تعرفه! من ذا الذي يقول عنه "درويش": "قلب يمشي على قدمين"؟ ويصفه المناضل النقابي المهندس خالد رمضان: "وليد الخيمة التي تجمع كل المختلفين على الوطن، بالحب كان يظللنا". وفي حديث بسام أبو شريف: "لقد كان وليد ضروريا لنا في هذه الحياة". ويقول مثنى غرايبة: "عمي أبو رأفت.. لقد عشت لتعطينا مثالا كيف نحيا".
تلخص مخرجة الفيلم "ميس دروزة" الأمر بقولها: "من حُبهم لك أحببتُك". وقد أضيف: "أحببنا حبهم لك".
جاء في نعي "الخطيب" الذي غادر في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بعد معاناة من سرطان الرئة، أنّه المناضل القومي. والمعلومات المتاحة عن مواقفه وإنجازاته محدودة، منها أنّه من الرعيل الأول للجبهة الشعبية لتحرير فسطين. ربما عاش كثيرون تفاصيل تتشابه وما جاء في الفيلم الذي عُرض في مجمع النقابات في عمّان، عقب رحيله. ولعل هذا التشابه هو سرّه؛ يقول مكرم خوري مخول: "لكل منّا في خلجاته زاوية نفسية اسمها وليد الخطيب".
ارتبط وليد في أذهانهم "بالزمن الجميل" والذكريات الحميمة، وبقضية لم تُحلّ.. أو كما يقول شقيقه الدكتور جمال: "وليد الخطيب كان هو وليد مسعود الذي رآه جبرا إبراهيم جبرا، وبحث عنه.. ناجحا في كل المجالات، غاصاً متعباً لأنّه بلا وطن". لم يع النكبة؛ فقد ولد في اللد في العام 1946، وهو يقول في نص كتبه عن نفسه: "احتضنتني أيضاً عروس الشمال، إربد، لتعلمني المبتدأ والخبر والثقافة القومية، ومنها ارتحلت إلى زهرة المدائن القدس". ثم يصف حياته في بيروت ولندن والسعودية والعودة إلى عمّان.
حقيقة أنّه ناضل وعمل في فلسطين، والأردن، ولبنان، وبريطانيا، والسعودية، ثم عاد إلى الأردن، تجعله يختزل قصص شرائح جيله المختلفة؛ من ناضل بالبندقية، ومن ناضل لشق طريق الحياة.. "مرآةً عكست كل فترات جيله".
هو من فصيل "كنفاني" المناضل. وقد كتب لحفيده سيف قبل عام بالضبط من وفاته: "ليكن غسان أول من تقرأ له، وشعبك ووطنك أول من تقرأ عنه". ووليد كما وصفه شقيقه أحد رجال كنفاني في رواية "رجال في الشمس"، ذهب ليبني حياته، ولكنه كان يعرف دَقّ الخزّان.
يقول باسم سكجها: "كان وليد مصوّراً فناناً، وسجّل آلاف اللوحات الفوتوغرافية لتفاصيل المكان الفلسطيني والأردني، وفي يوم عاد من يافا ليتّصل بي فخوراً بالتقاط أجمل صورة، حيث الغيوم تملأ سماءها، ويظهر بينها شعاع شمس حنون معلناً رسالة العودة، ولو طال الزمن.. وبفرح طفولي أهداني اللوحة وعليها خطّه الحبيب".
يقول "وليد" إنّه بقيَ يحمل كاميرتي تصوير عجوزتين "مثله".  نرى في صوره الفوتوغرافية تجسيدا لجيل شباب الخمسينيات والستينيات؛ وهو أول جيل يملك صوراً لمختلف مراحل حياته؛ صورٌ بالأبيض والأسود، وأخرى ملونة.. جيل زمن الجموح القومي والثوري؛ المظاهرات والانقلابات، والبندقية والكفاح المسلح.. زمن السيّارة الأولى، وبداية "الوظائف المحترمة" الجديدة في الجيوش، والبنوك والشركات، وأموال النفط، والفنادق.. زمن عبدالحليم وفيروز.. والملابس القصيرة والمجنونة، والحب بلا خجل.
تشاء الصُدف أن تعلن "كوداك" إفلاسها بعد وفاته بأيام. ونهاية هذه الشركة رمز لنهاية عصر كانت كاميراتها شاهدةً وحافظةً للحظاته الجميلة والتاريخية. أنجز جيل "وليد" وينجز نهضة وعمرانا.. تعلمنا ونتعلم منه الكثير.. وندين له. ولكنّا وصلنا مرحلة تبدو بداية من الصفر؛ انتهاء الأنظمة والفصائل السياسية التي ولدت بعد النكبة، وندخل عصر أفكار وسلوكيات اجتماعية مختلفة. حتى الصور والأغنيات دخلت عصرا رقميّا، ولم نعد نراها أو نسمعها كما اعتدنا. لذلك أفهم أن من بكوا "وليد" أحبوه وأحبّوا قلبه، لكنهم ينعون كذلك زمنا جسّد جموحه وتفاصيله. في أحد العناوين الأوليّة التي كتبتها لهذا النص، اخترت عبارة "البحث عن وليد الخطيب". يتذكرون فيه حياةً أحبوها؛ ينعون زمن الأبيض والأسود، والمد القومي، ويتلمسون عصر "الديجتال" والربيع العربي.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عمي أبو رافت (أديب خوري)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    آخ يا ايها الخال الكبير وليد الخطيب....اقل ما يمكن ان يكتب عنك... فلقد كرمتك اسرتك خير تكريم. انت في القلب دوما
  • »قساوة الواقع اكثر من قساوة الفراق (محمود)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    المؤسف يا دكتور اننا نتعرف على رجالاتنا بعد موتهم، يا حبذا لو كان لدينا جهة تكرم هؤلاء الابطال في حياتهم وتتيح لهم فرص نقل تجاربهم الى جيل الشباب قبل ان يفارقوا الحياة ويأخذوا تاريخهم معهم