إبراهيم غرايبة

سالم الحمدان وكل الآباء العظام

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

لماذا تظل تلحّ عليّ ولا تفارقني صورة سالم الحمدان في مشهدين؛ ليلة وفاته، يحتضر والناس حوله، يروي قصصا ونكاتا وهم يضحكون. اللواء ظاهر غرايبة قال لم أضحك في حياتي كلها مثل هذه الليلة، ودّعوه ومضوا إلى بيوتهم، وبعد لحظات قليلة أسلم الروح! وقبل أربعين عاما من وفاته، توفي ابنه عليّ ابن الخمسة عشر ربيعا، مات مريضا بالسّل. بكى سالم بكاء مرّا مثل الأطفال، تجمع الرجال يحاولون تهدئته، وهو ينشج، ويقول "ما أنا رحت أجيب له تفاح، ليش يابه يا عليّ ما استنيتني!". في اللحظة التي كتبت فيها هذه العبارة، وفي كل مرة تعودني القصة، تخنقني الدموع، وأتوارى وحيدا مسلما نفسي إلى بكاء يعقبه صمت طويل يصعب على المحيطين بي فهمه. وفي مرات أخرى كثيرة أجد نفسي مدفوعا إلى تلك القرية المهجورة، أجلس على الجبل المطلّ عليها وحيدا. وتتحول القصة إلى سلسلة حزينة طويلة لا تتوقف.
هذا المكان المهجور يروي قصص آباء عظام، وأمهات تجاوزن المستحيل؛ كأننا في دراما تاريخية خيالية لا تصدق، كيف قدموا لنا ما تجاوزنا به تلك الحياة الصعبة القاسية، وصرنا ما نحن اليوم عليه، بقدر من المال والطعام واللباس لا يساوي شيئا! ولو وزن بما نقدمه لأطفالنا فإنه لا يذكر، ولكنهم صنعوا لنا أفضل مما صنعنا لأطفالنا! وأنشأوا لنا حياة نحن اليوم عاجزون عن مواصلتها لأبنائنا. ذنب من يا ترى؟!
في تلك الليالي التي تحل بعد نهار طويل من العمل والقسوة، وفي ذلك المكان الذي يبدو وكأنه أفلت من العالم، ولا يعلم به إنس ولا جن، كأنه معلق بالكرة الأرضية بخيط، وهي تسبح في الفضاء لا تراه ولا تحس به يتأرجح في رعب، كانت أمي تنسحب جانبا لتتركنا نتناول العشاء من طعام قليل لا يكفي، فندعوها ونكرر النداء لتتعشى معنا، تقول بحنان يخفي الحزن والجوع عندما تأكلون أنتم أنا أشبع. كنت أحسب أن الأمهات بالفعل يشعرن بالشبع إذا أكل الأبناء، فنأكل كأننا نأكل بالنيابة عنها. وحين جاء رمضان في شهور تشرين الصعبة القاسية، حيث يأكل الدّوري ظفره كما تقول أمي معزّية لنا، لم يكن ثمة فطور أو سحور سوى ما أمكن لبدو فلاحين أن يخزنوه من طعام. لم يتعلموا خبرة الحضريين في تخزين الطعام وتصنيعه لمثل هذه الأيام، ولا ظلوا بدواً يقدرون على الرحيل وترك قراهم بحثا عن الحياة. ولكني وأنا جالس الآن فوق "راس الطويل" وأنظر إلى البيوت؛ بقايا البيوت التي أعرفها جميعا بيتا بيتا وأتذكر الناس الذين كانوا يعيشون فيها، على نحو يزيد أضعافا عمن أعرفهم وأتذكرهم في كل الأماكن التي رحلت إليها وعشت فيها؛ أتذكر المئات من الأساتذة والمحامين والأطباء والمهندسين والضباط والمهنيين الناجحين والمتفوقين؛ تحدوا العالم الذي رفضهم، صحيح أنهم ما يزالون يواجهون الإقصاء وهم متعلمون وأصحاب خبرات متقدمة، كما كانوا يواجهونه هم وآباؤهم من قبل وهم فقراء أميون، ولكنهم اليوم يُشعرون هذه النخب الطفيلية الملتصقة بخيرات الوطن مثل العلق أنهم وآباؤهم عاشوا وماتوا مثل الشجر؛ ليس فقط واقفين ولكن قادرين على صناعة الحياة وإنشائها، ولم يحتاجوا لأجل ذلك سوى الشمس!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال مأثر ورائع.. (نقاء غرايبة)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2012.
    مع اني لا أعرفه هذا الرجل العظيم ولكن جعلتنا جميعا نقف وقفة تعظيم لهؤلاء الأشخاص وأحببناهم من صميم قلوبناا.. أشكرك على هذا المقال الرائع يا أستاذنا الرائع..
  • »شكرا لك (علي محمد الفقير)

    الخميس 16 شباط / فبراير 2012.
    ليست من عادتي التعليق على ما يكتب ولكن الاخ ابراهيم ايقظ فينا اشواقا ومعان نحاول تناسيها اما لجمالها الذي يفوق قدراتنا على تقدير الجمال واما لأنها تذكرنا بجيل الحاج سالم الحمدان - رحمه الله -الذي قدم حالة استثنائية في صنع الحياة وبناء جيل ننتمي نحن اليه ونشعر بالعجز عن تقديم جزء مما قدموه
    باختصار يا استاذ ابراهيم لقد اعادتني مقالتك الى فارة وما حولها وجعلتني اطوفها بيتا بيتا واقبل كل ذرة تراب فيها والقي التحية على اهلها الطيبين . جعلتني في لحظة واحدة مزيجا من العواطف المتناقضة .
  • »مقال رائـــــــــــــــــــــــــــــــع والاروع ذكر جدي العزيز فيه (حفيده سالم الحمدان)

    السبت 4 شباط / فبراير 2012.
    مقال رائع جدا جدا جدا
    شكرا كتير لحبك لجدي العزيز انت هيك وما عشت معه الا لحظات قليله فكيف الي عاشت اسعد لاحظات عمرها مع جدها الغالي
  • »هيجت المشاعر بمقالك (ام عمر)

    السبت 4 شباط / فبراير 2012.
    خنقتني العبرات عندما قرأت مقالك الرائع ككل ما تكتب دائماً ابو جهاد خاصة انه جاء اليوم في الذكرى العاشرة لرحيل الوالد العزيز رحمه الله! فعلاً انهم كانوا اباءاً عظام واكبر دليل على ذلك عبقريتك التي تتحفنا بعين الحقيقة وتوجه البوصلة في هذا الزمن الذي اصبح فيه الحليم حيران!
  • »قبلة لهم من فوق ثراهم الطاهر (علي احمد عبداللة غرايبة)

    السبت 4 شباط / فبراير 2012.
    قبلة لثراهم الطاهر قال المثل العربي أو العبارة المشهورة(إلي ما اله كبير يدور على كبير).نسمعها كثيرا وما أحوجنا إليها في أزماتنا الاجتماعية ومشاكلنا الحياتية.
    فأولئك الكبار بكل شئ جميل بالعقل والخلق والحكمة هم الحكماء العقلاء أصحاب الرأي السديد الذين قدموا الكثير لفلذات أكبادهم ومجتمعهم أولئك نور الفجر الذين يستيقظون مع(الله اكبر الله اكبر)وهم يسبحون ويحمدون ويهللون حتى مطلع الفجر ليبدأ نهارهم بالتوكل على الله بعد سجود وركوع ورفع الأكف بالدعاء أن يعطيهم ويعطي من حولهم خير ذلك اليوم وكل يوم ويكفيهم شره.حقا إنهم ((البركة))و(النعمة) التي لا يعرفها إلا من فقدها إنهم الشجرة الوارفة الظلال التي يتفيأ بها الكثير ويأكل من ثمرها الكثير الكثير.
    بأيديهم زرعوا الأرض وبأجسادهم حموها وبعرقهم ودمائهم الزكية رووا ترابها ولطالما سهرت عيونهم النيرة لتنام عيون من حولهم آمنة مطمئنة.
    خرجوا أجيالا وأجيالا فمن تحت أيديهم الطاهرة خرج المعلم الذي قال فية أمير الشعراء(قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا),ومن تحت أيديهم خرج الطبيب منقذ الأجساد والأرواح العليلة بأمر الله,ومن تحت أيديهم خرج المهندس والطيار والضابط والممرض والنجار........الخ.
    منهم أولئك الكبار العظام من توفاه الله وكل الدعاء أن يكون عند ربه راضيا مرضيا ومنهم مازال يبارك من حوله وكل الدعاء أن يطيل الله عمره ليستمر شلال الحكمة والحب والحنان.
    يجب علينا أن لا ننسى فضلهم وان لا نعلق أي انجاز على جهودنا الشخصية وحدها فلولاهم ما صرنا وما تعلمنا وما عملنا وإذا كان البعض يعتقد انه صنع نفسه بنفسه فهذا(ناكر الجميل وعاق)وسيحصد ما يزرع ومهما ارتفع فسيسقط مرة واحدة لأنة لم يحترم ويوقر أساسة وجذره.
    إن آباءنا وكبارنا هم
    الماضي..........
    الحاضر..........
    المستقبل..........
    ويبقى رجاؤنا في هذه الدنيا أن لا نعقهم, وان نتمكن من أن نؤدي جزءا من الدين في رقابنا لهم,قد لا نستطيع أن نكون مثلهم في التضحية لكن جزءا يسيرا من واجبهم علينا هو شرف لنا.
    كل الحب لهم والتقدير لهم والتواضع لهم والانحناء أمامهم في لحودهم ممن توفاهم الله وفي أي موقع كانوا من الذين لا زالوا نهرا متواصلا لا ينضب بمعطاءة وماءه الزكي.
  • »الآباء والأجداد (محمود فهد الغرايبه ( دبي ))

    السبت 4 شباط / فبراير 2012.
    كل الحب و الاحترام للكاتب الكبير إبن العم ابراهيم الغرايبه، الآباء و الأجداد هم الماضي و كل التقدير و الانتماءو الفخر بآبائنا وأجدادنا فمن لا ماضي له لا حاضر له ، أشكرك على كلماتك الرائعة التي تهيج المشاعر و تهز العوطف ، أتمنى لك المزيد من الإبداع و التميز ، أقرأ و زملائي مقالاتك و كتاباتك و كلما قرأنا زدنا إعجابا بشخصك الكريم .
  • »مقال تتعدد فيه المشاعر (wafaa)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    مقال رائع اشكرك .
    في هذا المقال الجميل قرأته وتححسست بـه كم هائل من المشاعر المتداخلة مع بعضها البعض فعلآ الأيام هذه تختلف كثيرا عن الأيام قديمة قصتك هذه تذكرني بالقصص التي ترويها لي جدتي الآن فالكل كان يعاني من نفس المشاكل تقريبا ولكن سبحان الله اختلف كثيرا في خلال مدة قصيرة ففي ايام ابي مثلا يعني بالستينات تختلف كثيراعن الآن وطرق تربية أبائنا تختلف كثيرا عن كيف هم ربونا الان الأباء في هذه الأيام كثيرا من هم يهتموا بنفسية الآبناء ويدرسون طرق التربية الحديثة والمحاضرات التربوية ولا ارى بنفسي انا انهم يستخدمون الطرق الجيدة وحتى وان درسوا الطرق يطبقونها بشكل خاطىء انا تماما مع التربية العصرية ولكن مو الكل بيعرف يستخدمها لأنها تحتاج اهم عنصرين الصبر ((طولة البال ))وتحتاج الى وقت طويل نوعا ما لتظهر النتائج انا لن ادخل في هذا الموضوع الشائك واكرر شكري لك على الموضوع الرائع
  • »مقال رائع (أسماء عمرو)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    مقال رائع أستاذنا و تعابير لمست واقعنا مع أبنائنا و أرجعتنا إلى الماضي الجميل
  • »مقال أكثر من رائع (علي الحمدان)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    مقال جميل جدا ابو جهاد، وأكثر من رائع.