عبيدات: التشكيك بجدوى الإصلاح يخدم قوى الشد العكسي

تم نشره في الأربعاء 1 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 1 شباط / فبراير 2012. 06:47 مـساءً

* رئيس الوزراء الأسبق يؤكد في حوار مع الغد أن خطر الوطن البديل لا يواجه إلا بشعب موحد ومواطنين يقدسون الوحدة الوطنية

* قيادة جهاز المخابرات الجديدة مهيأة لفهم معادلة ومتطلبات الإصلاح

عمان - لا يجد رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات، أي مبرر لتأجيل الانتخابات النيابية عن العام 2012، بذريعة التمسك بمقولة ان "المجتمع والظروف الموضوعية غير ناضجة لإجراء الانتخابات". موضحا أن "علينا أن نفهم إلى أي مدى سيكون هذا مفيدا أو إيجابيا لعملية الإصلاح".
ودعا رئيس الجبهة الوطنية للإصلاح، في حوار موسع مع أسرة "الغد"، الحكومة إلى أن تراجع موقفها من النظام الانتخابي وقانون الانتخاب، وأن تأتي "إلى كلمة سواء" وإلى حل توافقي.
وحول التعديلات الدستورية، أكد عبيدات، أن الركن الأساس في تحديد هوية الحكم، بنص الدستور، هو الحكم النيابي، وهو النص الذي تم تعطيله، ولم يطبق على أرض الواقع إلا مرة واحدة طيلة ستين عاماً منذ تم وضع الدستور، وهو المتعلق بأسلوب ومنهج تأليف الحكومات، إذ يجب أن ينص في الدستور على طريقة تأليف الحكومات واختيار رئيس الحكومة من خلال الأكثرية النيابية.
ولا يرى عبيدات، أي عقبة أمام إعادة النظر بالتعديلات الدستورية التي اقرت، لأن القضايا المطلوب التقدم بها في التعديلات هي قضايا واضحة المعالم، ولا تحتاج إلى كثير من الجدل، مشيرا إلى أن حسم هذه المسألة سيزيل "أكواماً متراكمة من عدم الثقة وعدم القناعة في مسيرة سنوات طويلة".
وحول الحراك الشعبي والشبابي السياسي الذي تشهده المملكة قال عبيدات، لدينا مبرر كبير ومشروعية عالية للإصلاح، مشيرا إلى أهمية أن تتوافق كل الجهات التي تدعو إلى الإصلاح، وأن يتحقق توافق وطني على أولويات الإصلاح، وهي واضحة لمن يريد أن يراها.
وأشار عبيدات، إلى أهمية الحرص على وضع حد لعملية التشتت والتشرذم في دعوات الإصلاح والحراكات المطالبة به، موضحا أن مبادرة الجبهة الوطنية للإصلاح جاء على رأس أولوياتها هذه الهدف.
وحول تقييمه للإصلاحات، التي تحققت على مدى عام من ضغط الشارع على الحكومات، أكد عبيدات، أن ما حصل حتى الآن، لن يفيد إلا بمقدار ما تفيد فيه المسكنات للأمراض المستعصية.
وحول من يسعى لربط الإصلاح بالمؤثرات الجغرافية الديمغرافية، والحل النهائي للقضية الفلسطينية، أوضح عبيدات، رفضه الربط بين الإصلاح والتركيبة السكانية في الاردن، مشيرا إلى أن الربط "باطل من أساسه"، وإذا بقينا أسرى لمثل هذا الطرح "الفاسد"، فلن يكون هناك إصلاح.
وشدد عبيدات، على أن المطلوب هو نظام وقانون انتخابي، يتجه إلى توحيد الناس في المملكة، وليس إلى تمزيقهم، والمطلوب أيضاً قانون انتخاب، يوائم بين الأبعاد السكانية والأبعاد الجغرافية، والأبعاد التنموية، وبالتالي فالمطلوب أن يشعر الجميع بأن حقوقهم كمواطنين مكفولة، قائلا إن ما يقال ليس أكثر من "تنظير عنصري له بؤر موجودة في المجتمع الأردني عند كلا الطرفين، وعلى الدولة أن تتنبه لهذا الوضع، حتى يصبح الإصلاح انتصاراً لحقوق المواطنة وانتصاراً للوطن".
وأعاد عبيدات، التأكيد على أن الإصلاح "مسؤولية وطنية"، تقع على عاتق الجميع، ولا أحد يستطيع أن يخلي طرفه منها، واستدرك: "لكن اعتقد أن الإصلاح مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى، أما الخصوصية التي يتحدثون عنها فيجب أن تفهم على أنها تتعلق بخيارات الشعب حول طبيعة الإصلاح المطلوب، وقد رفع الشعب الاردني شعار إصلاح النظام، وهذا يتحقق من خلال إصلاح الدستور والتشريعات الأساسية، وتصويب أداء الدولة ومؤسساتها الدستورية وتحقيق العدالة والمساواة أمام القانون للجميع.
لكن عبيدات اعتبر، أن الخطير اليوم أن هناك دعوات من جهات مختلفة، تدعو إلى تكسير هذا الحراك وتفتيته بشتى الوسائل بالترغيب والترهيب وبالمال.
وحول قرار فك الارتباط، بين عبيدات، أن القرار لا علاقة له بالدستور ولا بالقانون، بل هو قرار سياسي، اتخذ في سياقه التاريخي وظروفه الموضوعية، التي أحاطت به، وأخذ مفعوله ومداه، لكن هناك تطورات كثيرة حدثت على صعيد القضية الفلسطينية، ولم تعد القضية قضية قرار فك الارتباط.
واشار الى أننا "معنيون بتصويب الأضرار التي أحدثتها التعليمات التي صدرت بموجب قرار فك الارتباط، والتي تسببت بالإخلال في المراكز القانونية لعدد من المواطنين الأردنيين، وحرمتهم من بعض حقوق المواطنة"، موضحا أن المطلوب هو تصويب تلك التعليمات، أو بعض القرارات التي أضرت ببعض المواطنين، فالقضية ليست قضية تجنيس، لأن الجنسية لا تمنح ولا تسحب إلا بقانون وبموجب الدستور. سائلا من يطالبون بدسترة قرار فك الارتباط، أن يقولوا لنا بوضوح "ما هو المقصود بذلك وكيف"؟؟
وعن لقاء جلالة الملك برؤساء الحكومات السابقين، كشف عبيدات، أن القضايا التي طرحت هي قضايا حساسة ومثيرة للجدل، موضحا أن الحوار مع جلالة الملك كان فرصة لان يستمع جلالته لوجهة نظر أخرى طال تغييبها، وأنه يمكن فتح الأبواب للمستقبل، بطريقة تحمل ضمانات لانتقال آمن نحو المرحلة الديمقراطية الصحيحة، كما كان اللقاء فرصة لأصحاب الرأي الآخر لأن يقولوا ما عندهم بمنتهى الأمانة والموضوعية.
وأضاف عبيدات، انه تم طرح قضايا في غاية الحساسية والأهمية، وأظن أن هناك حاجة إلى لقاءات أخرى يستطيع جلالة الملك فيها أن يستشرف حقائق أكثر تتعلق بالمستقبل، مبينا أنه يملك بصيص أمل، يمكن أن يحدث معه شيء من التغيير الذي نتطلع إليه، وفي مقدمته محاربة الفساد وأسلوب إدارة الدولة، ويجب ان لا تكون قضية التعديلات الدستورية بعيدة عن هذا المجال أو عقبة في طريق تحقيق الإصلاح الحقيقي.
وعن جدل عودة العلاقة مع حماس، قال عبيدات، إن قضية العلاقة مع حركة حماس "لا تشغل الرأي العام الأردني، بالدرجة التي يجري تصويرها في الإعلام، لكنها تأتي في سياق العلاقة الأردنية الفلسطينية. إلا أن عبيدات أوضح، أن الشعب الفلسطيني، الذي يواجه الاحتلال، ما يزال مع الأسف أسيرا للخلافات الفلسطينية الفلسطينية، والأردن لا يجب أن يضع كل بيضه في سلة حماس أو فتح، بل هو مطالب بموقف مرتكز إلى مصالحه الوطنية ودوره القومي.
وفيما يلي تفاصيل الحوار:

• ثمة صورة غائمة في الأفق السياسي، وشد وجذب سياسي اطرافه كثر في الساحة السياسية.. كيف ترى المشهد المحلي اليوم؟
- إن الموقع الجغرافي والسياسي للأردن يضعه في موقف دقيق للغاية، فإلى الغرب عدو شرس يحتل كل فلسطين، ويتنكر لكل الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. وربما نكون أكثر الشعوب العربية تأثرا بما يحدث في فلسطين، سلبا وإيجابا، لذلك فإن كل مفصل من مفاصل القضية الفلسطينية لا يجد حلا عادلا، فإنك تجد له صدى في المجتمع الأردني، وهذا واضح من التعامل مع حق عودة اللاجئين باعتباره أحد أهم الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف بالنسبة للشعب الفلسطيني، فحتى الآن يتم التعامل مع هذه القضية بعيدا عن إطار الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، حيث يتم التركيز على البعد الإنساني فقط، وهو ما يزيد تعقيد هذه القضية وآثارها على فلسطين والأردن.
وإلى الشرق منا، ثمة بلد يعاني من أوضاع متفجرة، لا أحد يستطيع التكهن بمدى النتائج التي يمكن أن تترتب على تداعيات الوضع في العراق، وبالتالي فإن كل أو بعض ما يحصل في العراق يؤثر علينا، كما كان الحال منذ بدأت أزمة العراق واحتلاله.
أما في الشمال، فإن التطورات في سورية، تأخذ ابعادا أمنية واقتصادية وسياسية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، الأمر الذي يؤثر على الأردن من جميع النواحي.
وفي الجنوب، فهناك فائض من الأموال والنفط، لكن الفرص المتاحة للأردن ما تزال فرصا فردية، ولم تصل لمرحلة دعم الأردن في إطار نظرة ورؤية عربية، تأخذ بعين الاعتبار أوضاع الأردن وموقعه الجغرافي والسياسي، بحيث يواصل صموده ويتمكن من القيام بدوره القومي في مواجهة المخاطر والتحديات التي تهدد الأمن القومي للمنطقة بأسرها.
وبالمحصلة، يبقى وضع الأردن متأثراً بتفاعل كل تلك التحديات، وبالتالي فإن مسؤولية قيادة السفينة في الأردن تبدو اليوم أكثر حساسية وتعقيداً.
وهنا نتساءل: إلى أي مدى تستطيع الدولة أن توحد المجتمع الأردني حول أهداف وطنية جامعة، يلتقي عليها الجميع؟ وهذا هو التحدي الأول بالنسبة لنا في الأردن.
حتى الآن، كان هناك مجموعة من الإخفاقات في مواجهة هذا التحدي، وكان هنالك أمل في عام 1990، من خلال الميثاق الوطني الذي تم التوافق عليه بين كل القوى السياسية، وكان هناك أمل في أن يكون هو المشروع الوطني للإصلاح وإرساء مرتكزات الدولة المدنية الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات.
لكن بالرغم من أهمية هذا الإنجاز فقد وضع على الرف، بمجرد أن لاحت أوهام السلام في المنطقة العربية، فقد تم سوقنا الى مدريد مع بقية الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكانت مدريد مفتاح الدخول إلى أوسلو، ومن هناك بدأت الانهيارات الكبيرة.
أخذت المخاطر تتبلور على مستقبل القضية الفلسطينية أولاً، وعلى الاستقرار في الأردن وعلاقته بإسرائيل، وعلاقة الدول العربية بعضها ببعض، وبكل أسف كان احتلال العراق للكويت عام (1990) هو الطريق إلى جهنم.
ونتيجة لأوسلو ووادي عربة، تم تجاهل أهم المشاكل المتصلة بالقضية الفلسطينية، وهي قضية اللاجئين حيث بقيت بلا إجابات وبلا حل وتركت آثارها بشكل واضح على الأردن.
اليوم، نرى أننا اتجهنا منذ سنوات لمحاولة صناعة هوية جديدة، وبدأ تأليف الحكومات يأخذ شكلا لم نعهده في السابق، حكومات، تشكلت في ظلها طبقة هجينة، من نخب سياسية وإعلامية ورجال أعمال وغيرهم من أصحاب المصالح، ونشأ نوع من التحالف بين هذه المجموعات كلها، وأعتقد أنه من هنا بدأ الانحراف والخلل في إدارة الدولة وإساءة استعمال السلطة على مختلف الصعد. وبدأنا نشهد عملية تفكيك حقيقي للدولة وللمؤسسات تحت عناوين مختلفة.
هذا الوضع أنتج بالتراكم حالة جديدة، انعكست على الوحدة الوطنية بشكل سلبي، ونمت في ظلها ولاءات فرعية شبيهة بتكاثر الخلايا السرطانية. ولم تنجح الدولة في توحيد المجتمع تحت هوية وطنية واضحة، حيث علت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية.
كما كانت خبرات الطبقة التي سيطرت على القرار الاقتصادي والسياسي في السنوات العشر الماضية تستند إلى تجربتها في إدارة الشركات الخاصة، فتعاملوا مع إدارة الدولة على اعتبار أنها شركة خاصة، وأساؤوا لمفهوم ودور القطاع الخاص الذي يفترض أن يكون شريكاً طبيعياً للقطاع العام.
وبذلك جرى اختراق القطاع العام وتدميره كما تم اختراق القطاع الخاص وإفساده، وأصبح الفاسدون في القطاعين هم من يقودون المسيرة بينما لم يكن هناك من يمثل الشعب تمثيلاً صحيحاً ويراقب أداء الحكومات.
حيث أصبح تزوير الانتخابات النيابية ظاهرة سياسية في الأردن بدأت مبكراً، لكنها انفجرت بشكل مفضوح في العام 2007، ونحن هنا نتحدث عن هدم ركيزة من أهم الركائز الثلاث التي تقوم عليها الدولة وهي السلطة التشريعية، وبذلك تغولت السلطة التنفيذية، ولم يبق إلا القضاء الذي لم يسلم هو الآخر من العدوان عليه، وبات الناس يشاهدون ثروات الوطن تتبخر تحت عناوين الخصخصة وغير الخصخصة.
وبالتزامن مع هذا الانهيار كان التعليم ينحدر والفساد ينتشر في مفاصل الدولة، وبتنا بحاجة إلى ثورة حقيقية في التعليم في جميع مراحله.
وأثناء هذه المسيرة جرت محاولات لوضع استراتيجيات أو خطط للإصلاح بمسميات مختلفة إلا أن غياب الحوار المتكافئ بين أطراف المعادلة الوطنية بشقيها الرسمي والشعبي كان السبب الرئيس في فشل هذه المحاولات وفقدان الثقة بين جميع الأطراف، وأصبحنا بحاجة ماسة إلى وقفة مراجعة جادة لمسيرتنا وإلى إرادة وطنية قوية تنتج حالة من التوافق الوطني حول أهم مفاصل الإصلاح وأولوياته.

• أليس في كل ما استعرضته من عيوب وعلل المرحلة، تغييب للمنجزات على الجهة الأخرى؟
- نحن لا ننكر أن ثمة إنجازات كبيرة تحققت في البلاد منذ وضع الدستور في العام 1952 ولغاية اليوم، إلا أن الركن المهم في هوية الحكم وهو النظام النيابي لم يجر تفعيله بشكل صحيح وقد شكّل ذلك خسارة كبيرة.
وخلال العقدين الماضيين طال التشوه العديد من الانجازات أو أنها هدمت، وبالتالي حرمت الدولة من موارد وطنية هامة وانعكس كل ذلك بشكل سلبي على الخدمات الأساسية وبشكل خاص التعليم والصحة كما أضعف قدرة الدولة على توفير الأمن المائي بشكل واضح.

• إذاً هذا ما يوصلنا إلى اللحظة الحالية في الشارع الأردني، الذي خرج بعضه مطالبا بالإصلاحات الشاملة، لكن ما يزال هناك من يشكك بالحراك وحجمه ونواياه، ويحاول بالتالي تقديم مقاربات ومعالجات غير جوهرية للإصلاح.. هل ترى ذلك؟
-أنا أرى أن القضية أصبحت قضية دفاع عن مصالح غير مشروعة تحققت للبعض وهم من يطلق عليهم اليوم قوى الشد العكسي، وأعتقد أن هؤلاء وأمثالهم كانوا موجودين باستمرار وفي جميع المراحل، إلا أن النظام كان قادراً على التعامل مع هذه الحالات بحيث يرجح كفة الإيجابيات على السلبيات، أما اليوم فإن الصورة مختلفة تماماً فالمبادرات الإيجابية لا يُلتفت لها وتجري محاربتها، بحجة التخويف من الإصلاح على النظام.
ولكن قبل أن أجيب عن السؤال، أريد أن أوضح مسألة، أن الناس في الأردن، وبعد اندلاع الثورات العربية، رفعت شعار "إصلاح النظام" وهي تعي ما ترفعه تماماً، ولم ترفع شعار إسقاط النظام، وهذا دليل على أن هناك تمسكاً بالشرعية الدستورية للحكم، ويجب أن لا نلتفت إلى الأصوات المثبطة والمشككة.
ومن الخطأ التعامل مع الاردنيين على أنهم  أقل طموحا وتطلعاً إلى نيل حقوقهم السياسية والاقتصادية من الشعوب الأخرى. كما ان الأردن ليس مختلفاً في ظروفه وواقعه عن غيره من الدول العربية، لأن الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورات العربية موجودة وقائمة في الأردن بصورة أو بأخرى.

• إذاً أنت لست مع الرأي القائل أن الأردن يختلف عن الدول التي اندلعت فيها الثورات؟
- الثورات في العالم العربي اندلعت لسبين رئيسيين، هما الفساد بجميع أشكاله، السياسي والمالي والتشريعي والإداري وحتى الأخلاقي، وكذلك الحكم المطلق.  فما الذي يجعل الأردن استثناء من هذه الحالة؟!
فهناك فساد سياسي تسبب بتقزيم السلطات الثلاث، وتجريدها من صلاحياتها الدستورية، وإفراغها من محتواها الحقيقي، وهذا أقل ما يقال في الفساد السياسي، وقد صاحبه فساد مالي أهدر ثروات وطنية هامة، من خلال عمليات الخصخصة وغيرها، وهناك فساد إداري شوّه بنية الدولة وفككها، وانتج عددا من المؤسسات المستقلة التي أصبحت جزرا معزولة عن الدولة وأفقد سيطرة الحكومة المركزية عليها وعلى إنفاقها ومعظمها فاشل أو مفلس، ومن الأمثلة على ما أقول شركة موارد، والعقبة الاقتصادية الخاصة، ولنأخذ شركة موارد مثالاً على ذلك، حيث تتكفل خزينة الدولة بتسديد التزامات موارد المالية، وهي مؤسسة مستقلة إلى الدرجة التي لم نعد نفهم معنى ومدى هذا الاستقلال، وقد امتد سلطانها إلى القطاع الخاص، وإلى القوات المسلحة، وأهدرت مئات الملايين، وفرخت شركات عن يمينها ويسارها، والآن أصبح الهم الأول هو كيفية التخلص من التبعات التي ترتبت على هذا الأخطبوط لأن خزينة الدولة تكفل "موارد".  وبعد إهدار كل هذه الملايين، لم نر أي إنجاز لها على أرض الواقع، وما تزال المعلومات الكاملة والشفافة عن حقائق وضعها بعيدة عن الأضواء، ولا بد من كشف جميع الحقائق المتعلقة بالذمة المالية لهذه الشركة واتخاذ إجراءات شفافة تضمن محاسبة كل المسؤولين عما آل إليه مصيرها.

• لكن حتى مع كل ما ذكرت، إلا أن الخلل الواضح الذي أصاب المالية العامة أيضا، هو التوسع في أوجه الإنفاق؟
- إن موضوع التوسع في الإنفاق يفرض علينا أن نتحدث عن الإنفاق العسكري، الذي لا يريد أحد أن يتحدث عنه، فقد أصبح من المحرمات أو أصبح خطاً أحمر، وإذا استمر الحال على هذا المنوال فسيؤدي إلى إفلاس موازنة الدولة ويدفع البلاد إلى الهاوية.
وكلنا يعلم حجم المديونية العامة التي تجاوزت 13 مليار دينار، وعجز الموازنة المتفاقم، لكن السؤال الأهم كيف وصلت موازنة الإنفاق العسكري إلى ما وصلت إليه، وكيف قفزت لتصل اليوم إلى حوالي 1.9 مليار دينار، دون أي مبرر.
فقد ارتفع الإنفاق العسكري من أقل من 600 مليون دينار في موازنة 2005، ليصبح مليارا و750 مليونا في موازنة 2010، ثم ليصل اليوم إلى ملياري دينار، فهل يعقل أن يشكل الإنفاق العسكري ثلث الموازنة لبلد مثل الأردن، يبلغ اجمالي قيمة الموازنة فيه 6.1 مليار دينار.

• وما المطلوب لحل مشكلة موازنة الإنفاق العسكري؟
- هناك ضرورة لإعادة النظر في هذه المسألة وهي تحتاج إلى قرار على أعلى المستويات، ويجب أن يكون هناك تحول جذري في التعامل مع حجم هذا الإنفاق، ولو كان هناك حكومات قادرة على وضع حد لهذا التصاعد في الإنفاق، ومجالس نواب تستطيع أن تمارس صلاحياتها الدستورية في الرقابة، على هذا الإنفاق، وأجهزة رقابية دستورية تمارس عملها بحرية، لما وصلنا إلى هذه الحالة.

• إذاً وماذا عن المشككين بالإصلاح، حراكا وأهدافا؟
-أعود للقول إن الأسباب الحقيقية وراء الثورات العربية، هما الفساد والحكم المطلق، والأردن ليس استثناء من هذه الحالة، ولذلك لدينا مبرر كبير ومشروعية عالية للإصلاح وللمطالبين به إذا كان لديهم برامج بأولويات واضحة.
ومن الأهمية بمكان أمام هذه الحالة، أن تتفق أو تتوافق كل الجهات التي تدعو إلى الإصلاح، سواء كانت أحزاباً بمختلف تلاوينها، أو جبهات أو شخصيات وطنية أو مؤسسات مجتمع مدني أو حراكات شعبية أو شبابية، يجب أن يتحقق منها توافق وطني على أولويات الإصلاح في هذا البلد، وهي واضحة لمن يريد أن يراها.
ونحن حريصون على وضع حد لعملية التشتت والتشرذم في دعوات الإصلاح والحركات المطالبة به، ولم تكن مبادرة الجبهة الوطنية للإصلاح إلا بهذا الهدف.
• ما تقييمك للإنجازات الإصلاحية، على مدى عام من ضغط الشارع على الحكومات؟
- ما حصل حتى الآن لن يفيد إلا بمقدار ما تفيد فيه المسكنات للأمراض المستعصية، فالإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من الدستور، والإصلاحات الدستورية التي تم إقرارها من قبل مجلس النواب تحتاج إلى التدقيق والتأني ولم يكن الوقت الذي أعطي لمناقشة التعديلات كافياً لإنجاز جانب واحد منها وهي ما يتعلق بالمحكمة الدستورية على سبيل المثال.
وهنا أود الإشارة، الى أن المحكمة الدستورية كانت مطلباً قديماً ومختلفاً عليه، وفي الميثاق الوطني تم إقرار إنشاء المحكمة الدستورية، وحددت صلاحياتها، وبعض الذين شاركوا في صياغة توصيات الميثاق الوطني المتعلقة بها شاركوا أيضاً في توصيات نفس اللجنة في الأجندة الوطنية، وكان لهم رأي آخر مخالف، وفي جميع الحالات فإن المحكمة الدستورية أصبحت ضرورة، وأن التعلل بعدم وجود كفاءات قانونية لتشكيلها يدفعني للتساؤل: متى يمكن أن تتوفر هذه الكفاءات؟!.
الأهم من كل ذلك أن غياب المحكمة الدستورية، وغياب الحسم بدستورية أي قانون من عدمه من قبل جهة مختصة ومحايدة ومستقلة، يؤدي الى التشتت في المرجعيات، ويدفع الى التعسف في إصدار قوانين غير دستورية، هذه الأسباب تستدعي وجود المحكمة الدستورية، ولكن التعديلات التي عالجت موضوع المحكمة الدستورية جاءت ناقصة وغريبة إذ أعطت لمجلس الوزراء بالإضافة إلى مجلسي النواب والأعيان حق الطعن في عدم دستورية القوانين وهي نفسها التي تضع تلك القوانين، بينما حرم منها أشخاص القانون الخاص كالأحزاب والنقابات والأفراد أصحاب المصلحة.
وهل يعقل أن مجالس النواب والوزراء والأعيان، الذين يضعون مشروع القانون ثم يصادقون عليه، هم أصحاب الأولوية بالطعن في دستورية هذا القانون؟

• لكن لماذا لا ترى في التعديلات الدستورية التي اقرت انجازا جوهريا للإصلاح؟
- أعود فأكرر بأن الركن الأساسي في تحديد هوية الحكم بنص الدستور هو الحكم النيابي، هذا النص تم تعطيله ولم يطبق على أرض الواقع إلا مرة واحدة طيلة ستين عاماً منذ تم وضع الدستور ولم يتكرر، وهو المتعلق بأسلوب ومنهج تأليف الحكومات إذ يجب أن ينص في الدستور على طريقة تأليف الحكومات واختيار رئيس الحكومة من خلال الأكثرية النيابية.
ولا يمكن أن نركن الى الأعراف الدستورية التي لم توجد أصلاً في الأردن، فالبلد التي يحكمها دستور محترم، وممارسات دستورية سليمة ومحكمة دستورية تصوب الأداء، هي التي تنشأ فيها أعراف دستورية، وبالتالي يمكن الركون إليها، وبغير ذلك لا بد من النص الدستوري الواضح لضمان تفعيل الركن النيابي في نظام الحكم.
وأعتقد انه كان الأجدر عند فتح باب التعديلات الدستورية، أن تحسم هذه القضية المتعلقة بتكليف كتلة الاغلبية النيابية بتشكيل الحكومة، وغيرها من القضايا المتصلة بأداء السلطات الثلاث، إلى جانب تصويب التعديلات التي انتجتها اللجنة الملكية لمراجعة الدستور، وينطبق ذلك على قوانين الانتخاب والأحزاب والقوانين الناظمة للحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام وحرية التعبير والنشر بكل أشكالها.

• في هذا المقام، الحديث عن الإصلاحات، هناك قوى سياسية أو شد عكسي، حسب التسميات الدارجة، تزعم أن الإصلاح بهذه الطريقة، قد يؤثر على الجغرافيا والديمغرافيا، ما قد يشكل خطرا على القضية الفلسطينية، ما رأيكم بهذا الطرح؟
- إن ماليزيا دولة مؤلفة من ثلاثة أعراق، الهنود والصينيين والمسلمين، ولديها نظام سياسي مستقر وديمقراطية محترمة ومجتمعات متسامحة ومتعايشة، وهي دولة نامية ومنتجة من الطراز الأول، بينما نحن في الأردن مجتمع متجانس بكل ما يعنيه التجانس، فلماذا نستمع إلى نظريات العباقرة، وطروحاتهم التي تتحدث عن أن الإصلاح لن يأتي في ظل هذه التركيبة السكانية في الاردن، هذا الربط باطل من أساسه، وإذا بقينا أسرى لمثل هذا الطرح الفاسد، فلن يكون هناك إصلاح.
ومع التسليم بما ترتب من آثار لقرار فك الارتباط على المواطنين المقيمين في الضفة الغربية، فإن المواطنين الاردنيين في الأردن من غرب النهر، الذين اكتسبوا الجنسية الاردنية بحكم الدستور والقانون لن يكون في وسعهم وعلى المدى المنظور أن يمارسوا حقهم في العودة إلى وطنهم فلسطين طالما بقي احتلال إسرائيل قائماً، هؤلاء المواطنون في الأردن مثل أشقائهم من شرق النهر يجب أن يتمتعوا بحقوق المواطنة الكاملة.

• ألا يمكن اعتبار أن ما تقدمه هو رأي ثالث في موضوع جدل الهوية والوحدة الوطنية؟
- لنكن واضحين، فتكوين المجتمع وذهنيته وعاداته وتقاليده وأصوله وتاريخه ومصالحه، هي حالة شبه نموذجية، لكن ما طرأ عليها قسراً هو الذي أفسدها، ويجب أن لا نجعل ما طرأ على هذه الحالة يخرجها من حالة الشعب الواحد والوطن الواحد إلى حالة التشرذم.  لاشك أن قضية فلسطين هي الأساس في ما وصلنا إليه، فعندما جرى ضم الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، كان هناك انقسام وخلاف في المجتمع الفلسطيني حول المسألة، إلا أن قرار وحدة الضفتين أصبح أمراً واقعاً وقد انصهر الجميع في المجتمع الجديد وتشارك الأردنيون والفلسطينيون في بناء الدولة وخاصة بعد صدور الدستور عام 1952 وتشكيل المؤسسات الدستورية، وبالفعل تشاركوا كمواطنين في بناء مؤسسات الدولة كل بحسب إمكانياته وكفاءاته، وأصبحنا شعبا واحدا.
ويجب أن لا ننسى أننا في الأردن وفلسطين كما في لبنان وسورية، لم نكن يوماً كيانات مستقلة بالأصل، بل كنا جزءا من سورية الطبيعية، ومواطنين في الدولة العثمانية، والآن إذا فرضت علينا هذه الظروف القسرية والدولية واقعا جديدا، فنحن يجب أن نكيف أنفسنا بحيث نستثمر الحالة الجديدة بأقصى طاقاتنا بصورة إيجابية، حتى نحافظ على هذا التوافق الوطني ونتعايش كمواطنين في هذا الوطن ونحافظ على هذه الأرض التي نقف عليها.
وأتساءل إذا لم يتحقق ذلك فما هو المطلوب، هل المطلوب إيجاد أكثر من "مواطنة" داخل الدولة الواحدة، أو هل تصبح الدولة الأردنية دولة عرقية لجزء من مواطنيها، كما يسعى الاسرائيليون لإقامة دولة يهودية نقية؟!
نحن اليوم، أردنيين وفلسطينيين، ما نزال نعيش تحت تهديد الخطر الصهيوني، بأن فلسطين ليست للفلسطينيين وأن الأردن ليست للأردنيين وأن هذه وتلك أرض للدولة العبرية، وإلا ما هو معنى الوطن البديل إن لم يكن ذلك هو المطلوب.
منذ انتهت أحداث أيلول المؤلمة عام 1970 استقر النظام الأردني وساد القانون، إلا أن ذلك لا يلغي أن للفلسطينيين من أبناء هذا الوطن قضية ويجب أن لا يحرم أي فلسطيني من حق الدفاع عن قضيته، كما يجب عليه أن يتمسك بحقه في العودة مهما طال الزمن، وعلى الأردنيين والعرب أن يدعموا هذا الحق تماماً مثلما يدعمون صمود الشعب الفلسطيني كله على تراب وطنه بهدف تحرير فلسطين ودفع الخطر عن الأردن.
وإذا عادت فلسطين في إطار أي حل يقبل به الشعب الفلسطيني فلكل حادث حديث، وحتى معاهدة وادي عربة التي ظن البعض أنها وضعت حداً للخطر الصهيوني على الأردن فيجب أن يعلموا أن هذا كان وهماً وما يزال.
إسرائيل تقول للفلسطينيين والأردنيين كل يوم من خلال إجراءاتها العدوانية والاستيطانية، أنها تهدف إلى إقامة دولة عبرية نقية على كل أرض فلسطين، وتنكر حق العودة للاجئين، فهل نفرط نحن بهذا الحق؟
وإذا كانت الحالة العربية حاليا لا تسعف في أن يكون هناك جدار عربي يستند إليه الشعب الفلسطيني، ويساعد الأردن في الصمود، والتصدي لمواجهة خطر التوسع الصهيوني، فيجب أن لا نيأس، ولننظر الى ما حصل في تونس ومصر وغيرهما، فمن قال ان مصر تثور بين ليلة وضحاها على حكم الاستبداد والفساد وتكشف ثورتها عن حقيقة شعبها وتستعيد روحها، من قال ان تونس واليمن وليبيا يمكن ان يطالها التغيير قبل الربيع العربي؟! إذا هناك أمل يجب أن نتمسك به، ونستثمره استثمارا صحيحا، لا أن نبدأ بإثارة الفتن والقلاقل داخل مجتمعنا وبين أبناء شعبنا، والغريب أنه في كل مرة يثور فيها الجدل حول سحب الأرقام الوطنية أو منح الجنسيات ووقف التجنيس، يدخل المجتمع الأردني في دوامة من المناقشات العبثية، بينما المطلوب يتلخص في ضرورة تصويب القرارات الإدارية التي صدرت مخالفة للدستور والقانون وخلقت حالات شاذة داخل المجتمع الأردني أطاحت ببعض حقوق المواطنة لعددٍ من أبناء هذا الوطن، وليس المطلوب تهجير الناس من الضفة الغربية إلى الأردن.  وإذا كنا صادقين في مواجهة خطر الوطن البديل، فلن نواجهه إلا بشعب واحد موحد وبمواطنين يؤمنون بهذا الوطن ويقدسون الوحدة الوطنية ويتمتعون بمواطنتهم، وليس المقصود أن نجري انتخابات تقوم على المحاصصة، عندما كانت الوحدة بين الضفتين قائمة كان مجلس النواب المنتخب مناصفة من الضفتين. أما اليوم وبعد أن سقطت الضفة الغربية تحت الاحتلال، وقامت سلطة فلسطينية تعمل لبناء دولة، فلا يعقل أن نعود لتقسيم الشعب الواحد داخل الأردن، وتصبح المعادلة إما إغفال حقوق المواطنة أو المحاصصة.

• إذاً وما المخرج من هذه الأزمة؟
- المطلوب نظام وقانون انتخابي يتجه إلى توحيد الناس في المملكة، وليس إلى تمزيقهم، والمطلوب أيضاً قانون انتخاب يوائم بين الأبعاد السكانية والأبعاد الجغرافية، والأبعاد التنموية، وأقول مواءمة، فليس هناك شيء اسمه "على حد السكين". وعندما يتمتع المواطنون بنفس الحقوق، فلن يكون هناك اشكالات، لا عند هذا الطرف ولا عند الطرف الآخر، وبالتالي فالمطلوب أن يشعر الجميع بأن حقوقهم كمواطنين مكفولة، والمطلوب اليوم أن ينأى الشرفاء أفراداً وأحزاباً وتيارات سياسية بأنفسهم عن هذا الجدل العبثي وعن عمليات التضليل، والإفساد التي ستدمرنا جميعاً، وعندها تختلط الأوراق وتضيع هويتنا العربية.
ومما يؤسف له أن كثيراً مما يقال ليس إلا تنظيراً عنصرياً له بؤر موجودة في المجتمع الأردني عند كلا الطرفين، وعلى الدولة أن تتنبه لهذا الوضع، حتى يصبح الإصلاح انتصاراً لحقوق المواطنة وانتصاراً للوطن.

• ثمة جدل حول تحميل الدولة او الجانب الرسمي من جهة، والحراك الشعبي من جهة اخرى مسؤولية عدم الوصول الى توافقات وطنية على خريطة الاصلاح والخروج من عنق الزجاجة.. كيف تنظر للجدل؟
- الإصلاح مسؤولية وطنية، تقع على عاتق الجميع، ولا أحد يستطيع أن يخلي طرفه منها، لكن اعتقد أن الإصلاح مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى، أما الخصوصية التي يتحدثون عنها فيجب أن تفهم على أنها تتعلق بخيارات الشعب حول طبيعة الإصلاح المطلوب وقد رفع الشعب شعار "إصلاح النظام" وهذا يتحقق من خلال إصلاح الدستور والتشريعات الأساسية وتصويب أداء الدولة ومؤسساتها الدستورية وتحقيق العدالة والمساواة أمام القانون للجميع.
لكن الخطير في الموضوع اليوم أن هناك دعوات من جهات مختلفة، احيانا بصورة علنية تدعو إلى تكسير هذا الحراك وتفتيته بشتى الوسائل بالترغيب والترهيب وبالمال.
واعتقد أن هذه الجهات قصيرة النظر ولا تملك رؤية وقراءة لديناميكية الشعوب، وحقيقة المشاعر والدوافع وراء حراكها ومطالبها الإصلاحية، فالشعوب التي لا تتحرك بفطرتها وبشكل سلمي للتعبير عن حاجاتها، هي شعوب ميتة، وهذا الحراك المطالب بالإصلاح لا ينتهي بمرور الزمن ولا يتلاشى بتغيير الوزارات، ولن يهدأ إلا عندما يصبح الإصلاح حقيقة على أرض الواقع.
وعلى من يفكر ويخطط لنسف هذا الحراك، أن يسعى إلى تحقيق إصلاحات ديمقراطية شاملة تقنع الشارع بحيث يراها الناس ويلمسونها على أرض الواقع في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

• ثمة مطالبات من تيار سياسي بضرورة قوننة قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية، الذي صدر العام 1988، لمعالجة جدل موضوع التجنيس للفلسطينيين في الأردن؟ ما رأيكم؟
- قرار فك الارتباط ليس له علاقة بالدستور ولا بالقانون بل هو قرار سياسي اتخذ في سياقه التاريخي وظروفه الموضوعية، التي احاطت به، وأخذ مفعوله ومداه، لكن هناك تطورات كثيرة حدثت على صعيد القضية الفلسطينية، ولم تعد القضية قضية قرار فك الارتباط. الآن نحن معنيون بتصويب الأضرار التي أحدثتها التعليمات التي صدرت بموجب هذا القرار، والتي تسببت بالإخلال في المراكز القانونية لعدد من المواطنين الأردنيين، وحرمتهم من بعض حقوق المواطنة، وأعاقت حياتهم واستقرارهم السياسي، المطلوب تصويب تلك التعليمات او بعض القرارات التي أضرت ببعض المواطنين، والقضية ليست قضية تجنيس، لأن الجنسية لا تمنح ولا تسحب إلا بقانون وبموجب الدستور، وأخيراً فإن على من يطالبون بدسترة قرار فك الارتباط أن يقولوا لنا بوضوح ما هو المقصود بذلك وكيف؟؟
• في ظل تصريحات لرئيس الحكومة عون الخصاونة بأنه يرفض او لا يحبذ إعادة فتح ملف التعديلات الدستورية، أو أنه لا يستطيع ذلك، وأطروحاته حول قانون الانتخاب والعودة الى نظام انتخاب 1989، فيما تصر المعارضة تحديدا الاسلامية وغيرها، على تطوير التعديلات الدستورية، ويطالب آخرون بتطوير نظام انتخاب 89، كيف يمكن ان يكون هناك توافقات؟
-الآراء التي استمعنا اليها من الدكتور عون الخصاونة، في الجلسات الخاصة والعامة وعبر الصحافة هي واحدة، ويبدو لي أنها قضية قناعات، لكني أعتقد أنه في حالة كحالة الأردن يجب أن يتجاوز الناس والمسؤولون قناعاتهم الشخصية، حتى لو كانوا يقدمون تبريرات مقنعة وكافية، وصولا الى توافقات وطنية تلقى القناعة والقبول بالحد الأدنى من الرأي العام في المجتمع.
مطلوب من الحكومة ان تعيد النظر في ما تطرحه وتطالب به المعارضة من تعديلات دستورية، وأن لا تتمترس خلف نظرة أحادية، مع ذلك فإن طرح الحكومة حول قانون الانتخاب ربما يلقى تأييدا من شريحة ليست قليلة في المجتمع الأردني، لكن أعتقد أيضا أن التقدم باتجاه القوى السياسية والأحزاب والرأي العام يحتاج إلى اعتماد حلول توافقية، وهي في جميع الحالات حلول مرحلية، لكنها نقطة على الطريق، ويمكن ان ينظر لها في إطار حالة متدرجة، ويمكن أن ترقى إلى مرحلة أفضل في المستقبل.
لا أرى مبررا للتأخير او التمسك بمقولة ان المجتمع والظروف الموضوعية غير ناضجة لإجراء انتخابات في 2012، واختلف مع من يتبنى ذلك، وعلينا أن نفهم إلى أي مدى سيكون هذا مفيدا او إيجابيا لعملية الإصلاح.
أدعو الحكومة هنا لأن تراجع موقفها من النظام الانتخابي وقانون الانتخاب، وأن تأتي إلى كلمة سواء وإلى حل توافقي بكل المعاني، ولا نريد كل يوم أن نخوض معركة من اجل القانون والنظام، وتكفينا حالة التمزق التي أوصلنا إليها ما سمي بقانون الصوت الواحد.
أما في قضية التعديلات الدستورية، وتحديدا فيما يتعلق بقضية النص على تكليف كتلة الأغلبية النيابية بتشكيل الحكومة، فأنا لا أرى على الإطلاق أي عقبة أمام إعادة النظر فيها، لأن القضايا المطلوب التقدم بها في التعديلات الدستورية، هي قضايا واضحة المعالم، ولا تحتاج إلى كثير من الجدل، وبالتالي يمكن حسم هذه المسألة وبذلك نزيل أكواماً متراكمة من عدم الثقة وعدم القناعة في مسيرة سنوات طويلة، وعلينا ان نفكر بمنظور أوسع، ولا بد من توجه جميع القوى السياسية إلى إعلاء صوتها في هذه القضية، وان يكون جلالة الملك معنيا بالاستماع الى هذه الأصوات، وأن تكون الحكومة معنية أكثر بالعمل على إعادة النظر في التعديلات الدستورية، وان يبتعد مجلس النواب عن حسابات وهواجس الحل، لأن مصلحة الوطن تتقدم على جميع الحسابات.

•جلالة الملك استمع مؤخرا لرؤساء الحكومات، حول رؤيتهم للمرحلة والتحديات، وثمة مدارس ورؤى مختلفة ومتباينة لدى نادي رؤساء الحكومات، بين محافظين وإصلاحيين وبين بين، هل تعتقد ان اللقاء الملكي بالرؤساء ولد قناعة عامة بضرورة خلق حالة توافق وطني أمام هذه الرؤى المتناقضة للمشروع الإصلاحي، تقنع الناس بجدية الدولة بالإصلاح وتعالج أزمة الثقة مع الشارع، هل سنلمس جديدا في القادم من الأيام؟
-أنا شخصيا ما يزال عندي بقية من أمل، واعتقد أننا بحاجة إلى التأكيد على تلك القضايا، وجعل اكبر شريحة من الناس على علم بحقيقة ما دار في هذا الحوار. شخصيا لا أستطيع أن أنكر أن القضايا التي طرحت هي قضايا حساسة ومثيرة للجدل، واعتقد أيضاً ان الحوار مع جلالة الملك كان فرصة لأن يستمع جلالته لوجهة نظر أخرى طال تغييبها، وأنه يمكن فتح الأبواب للمستقبل بطريقة تحمل ضمانات لانتقال آمن نحو المرحلة الديمقراطية الصحيحة، كما كان اللقاء فرصة لأصحاب الرأي الآخر لأن يقولوا ما عندهم بمنتهى الأمانة والموضوعية.
لقد تم طرح قضايا في غاية الحساسية والأهمية، وأظن ان هناك حاجة إلى لقاءات أخرى يستطيع جلالة الملك فيها أن يستشرف حقائق أكثر تتعلق بالمستقبل، ولذلك أقول ان عندي بصيصاً من الأمل، ويمكن ان نشهد شيئا من التغيير الذي نتطلع إليه، وفي مقدمته محاربة الفساد وأسلوب إدارة الدولة، ويجب ان لا تكون قضية التعديلات الدستورية بعيدة عن هذا المجال أو عقبة في طريق تحقيق الإصلاح الحقيقي.
اعتقد أن المطلوب الآن هو إعادة الثقة بين القيادة والناس بين الحكم وقاعدته الشعبية، هذه الثقة التي دمرتها الممارسات الخاطئة والانحرافات في السلطة والفساد الذي لم يترك مفصلا من مفاصل الدولة إلا وأصابه بالعطب. وبداية استعادة الثقة هي التعامل مع القضايا التي أنتجتها السياسات الفاشلة، من فساد سياسي وإداري ومالي، أثقل ضمائرنا وأثقل الشعب بمسؤوليات كبيرة، وأعباء لا يمكن أبدا الرضوخ لها او الاستسلام لها، بالتالي لم ولن تتوقف المطالبة بالإصلاح بكل الوسائل المشروعة، وهذا دليل على حيوية المجتمع وعلى النظام أن يستمع جيداً وأن يستجيب لأن في ذلك تعزيزاً لشرعية الحكم.
• ثمة من يراهن على فرملة قدرة الشارع على الاستمرار في الحراك، في ظل مقاومة قوى الشد العكسي، ومحاولات إعاقة الحراك؟ هل ترى أفقا أمام الحراك؟
- يجب أن يقاوم الشارع تلك القوى، ومسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تحتم علينا ان نكون مع الناس، الذين يوحدون جهودهم لمقاومة تلك القوى، ووضعها  في حجمها، وبالمناسبة هي ليست قوى، بل هي أصوات يتاح لها من حين لآخر، أن تقترب من مواقع القرار، وتسمع صوتها أكثر من غيرها.

• من المعروف ان الأجهزة الأمنية لها دور معين، لكن اليوم نرى انها تتوجه للحوار مع القوى السياسية، كما مع الحركة الإسلامية، هل تؤيد هذا الدور؟ أم أن المطلوب منها ان تلتفت لعملها الامني التقني؟
- الأجهزة الأمنية جزء من مؤسسات الدولة، ودورها واضح ومفهوم في قوانينها، لكن إذا كان هناك حاجة للحوار بين الاجهزة والقوى السياسية، فربما يكون ذلك بطلب من جهة ثالثة تريد للطرفين أن يلتقيا للحوار، وان تبحث مطالب وشكاوى ومظالم كثيرة لدى القوى السياسية، ويجب أن يكون لدى الأجهزة الامنية أجوبة حول تلك المطالب والشكاوى، والقضية ليست في أنني أؤيد الحوار معها أو لا أؤيد، لكن يجب على الأجهزة الأمنية، بعد ان تلتزم بقوانينها، أن ترتفع إلى مستوى الحالة الذهنية والسياسية القائمة في البلاد، وأن تنفتح على هذه القوى، وأن يكون هناك على الأقل حد أدنى من اللغة المشتركة، وأن لا تكون هناك عملية قطيعة تعتمد على الشك والهواجس والمبالغات.
ولا بد من أن يستثمر التغيير، الذي وقع في الأجهزة الأمنية في هذا الاتجاه، وكما أن هناك اولويات للوطن، فهناك اولويات للأجهزة الأمنية، وفي مقدمة ذلك، أن تنتبه إلى خطورة الاختراق، الذي يمكن أن تحدثه قوى خارجية في المجتمع الأردني، فنحن لسنا في مأمن من اختراق معاد للأردن، بل نحن بحاجة إلى ان ننتبه إلى كثير من القضايا حتى لا نفاجأ يوما ما بأن جهة ما تستطيع ان تخل بتوازن البلد في لحظة من اللحظات، وينشغل الناس فيما لا يجب ان ينشغلوا فيه.
أعتقد ان قيادة جهاز المخابرات في هذه المرحلة مهيأة لفهم هذه المعادلة، وعليها ان تموضع نفسها في الاتجاه الذي يعلن عنه جلالة الملك وتتبناه الحكومة، وان لا تكون في موقع آخر. نحن لسنا في بلد تحكمه مراكز القوى، وليس من مصلحتنا في هذه المرحلة ولا في غيرها، الوصول الى مثل هذه المرحلة، وإذا حصل مثل ذلك في الماضي، فذلك لم يكن خطأ كبيرا، بل خطيئة كبيرة، ارتكبت نتيجة لها جرائم، واظن أنه يجب ان يأتي يوم تحاسب فيه هذه الجهات على الجرائم التي ارتكبتها، وقد تتعلل بأنها كانت تتصرف وفقا لتعليمات الحكومة أو غير الحكومة، لكن استغلال السلطة والتمادي والتجاوز على القانون، والتفريط بمصالح العباد ظلم، وإساءة كبيرة للنظام نفسه وللدستور وللناس، ويجب ان لا تمر هذه الممارسات دون حساب.

• وماذا عن عودة العلاقات مع حماس، وفي أي اتجاه يمكن قراءتها؟
- اعتقد أن قضية العلاقة مع حركة حماس لا تشغل الرأي العام الأردني، بالدرجة التي يجري تصويرها في الإعلام، لكنها تأتي في سياق العلاقة الاردنية الفلسطينية. ثمة أسئلة كثيرة بقيت معلقة منذ إعلان قرار فك الارتباط، ومنذ إعلان الدولة الفلسطينية في مؤتمر الجزائر 1988، وما لحقها من اتفاقيات، مدريد وأوسلو وغيرها، منها ما ارتبط بقضية المواطنة.
الشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال ما يزال مع الأسف أسيرا للخلافات الفلسطينية الفلسطينية، والأردن لا يجب ان يضع كل بيضه في سلة حماس او فتح، بل هو مطالب بموقف مرتكز إلى مصالحه الوطنية ودوره القومي، كما أن دوره ليس مسك العصا من المنتصف، او ان ينحاز لطرف دون آخر، فالقضية لها تفاعلات كثيرة، ولا تقتصر على إعادة فتح مكاتب حماس في الاردن، بل يجب ان يكون دور الأردن متوازناً وإيجابياً لرأب الصدع في الصف الفلسطيني، ويرتكز على المساهمة في المصالحة الفلسطينية، وما يجري في المجتمع الأردني ويروج له بعض الإعلاميين إنما هو جدل في غير محله وفي غير وقته، وأخيراً هناك فرق كبير بين التعامل مع أفراد من حماس بحكم أنهم مواطنون أردنيون ويجب أن لا يمنعوا من العودة إلى البلاد، وبين التعامل مع حماس كحركة سياسية.

التعليق