الصحافة الأردنية.. فاعلٌ أم تابع!

تم نشره في الاثنين 30 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

آخر أخبار الحريات الصحفية في الأردن أنها تراجعت على مؤشر منظمة "مراسلون بلا حدود" للعام 2011 بمقدار 8 مراتب. وقد استدرج ذلك التراجع تبريرات حكومية استندت إلى نفس حجج المنظمة الدولية لخفض مرتبة الأردن: الاضطرابات التي صاحبت الربيع الأردني، والتي كانت فيها الصحافة هدفاً في أكثر من مناسبة. وبدا دفاع وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال وكأنه يريد أن يتشبث فقط بفكرة أنّ حرية الصحافة لدينا لم تنزل عن المرتبة 120 إلى 128 من بين 179 دولة، وأنها بقيت على حالها، كما فهمت. ويثير الخبر، وردّ الفعل الرسمي عليه، بعض الأفكار:
أولاً، صحيح أنّ ثماني علامات لا تصنع فرقاً كبيراً، وربّما لَم يتغيّر فعلاً حال الحريّات الصحفية في الأردن طوال عام كامل من عملية الإصلاح. لكنّ هذا التركيز على هبوط المرتبة أو عدمه يتعمد صرف الانتباه بطريقة غريبة عن الحقيقة الأساسية: إن مرتبة حريّة الصحافة الأردنية سيئة، سواء بالدرجات الثماني أو من دونها. هذا هو الموضوع المهمّ الجدير بالملاحظة الجديّة.
بحسبة بسيطة، إذا كان مؤشر حرية الصحافة العالمي المذكور يقيس على 179 درجة، فإن "معدل النجاح"، أو المتوسط يكون عند 89.5 نقطة. وبهذا، تكون حرية الصحافة في الأردن، بمجموع 120 نقطة وعلى افتراض أنها لم تهبط 8 درجات، قاصرة بمقدار 30.5 علامة عن الحدّ الأدنى للنجاح "على الحِفّة"، كما نقول. وإذا كانت المرتبة قد هبطت فعلاً إلى 128، فإن المطلوب لمجرد النجاح يصبح 38.5 علامة. هل هناك أيّ معنى لأن يقول الواحد بفخر: أنا رسبت بفارق 5 علامات وليس بفارق 10 علامات؟ وهل يمكن الحديث عن "رسوب مشرّف" إذا كانت النتيجة كلها: (راسب)؟
ثانياً، تؤشر حرية الصحافة أوضح ما يكون على وضع المطلب الإصلاحي العريض: حرية التعبير. وهي تتقاطع بهذا المعنى مع الأشكال الأخرى من التعبير، مثل حرية الانتماء والعمل الحزبي، والنشاط في منظمات المجتمع المدني، والحريّات الشخصية... إلخ. وإذا كانت الصحافة لم تحرز تقدماً في حريتها خلال مرحلة الإصلاح الفائتة، فإن حريّة التعبير، كمطلب أكثر عمومية، لم تحقق شيئاً أيضاً. ولا يقتصر أمر حريّة الصحافة على حوادث الاعتداء الفيزيائي على الصحفيين، والتي لا يُمكن إخفاؤها، وإنّما تتعلق أكثر بما يُدعى "السقوف" التي تحدّد كيفيات ونوعيات التعامل الصحفي مع الحقائق والأخبار. كما يتعلق الأمر بضرورة تغيير ثقافة الخوف والرقابة الذاتية التي تعوّدت عليها الصحافة خلال عقود من التقييد، من خلال تطمين الصحفيين والكفّ عن التدخل في عملهم بأيّ طريقة. ومع أنّ هناك انفراجاً ما في مساحة حريّة الصحافة من حيث مواكبة العملية الإصلاحية ومحاربة الفساد وتغطية التظاهرات، إلا أنّه يمكن تصنيف ذلك في باب خدمة ترويج الانطباع العام بأنّ هناك أشياء تتغيّر، مع أنّ مساحات الحرية الصحفية بهذا المعنى تظلّ محكومة بالحدود المرسومة، وخاضعة لتوجه ورغبة أصحاب القرار.
ثالثاً، والأهم، بكل المعايير المنطقية، ينبغي أن يكون تحرير الصحافة متطلباً مُسبقاً للإصلاح وليس حاصلاً له. ولا ينبغي أن تكون الصحافة تابعاً ينتظر بسلبية هِبات السلطات الأخرى في حال حقَق الناس بالضغط منجزاً على صعيد الحريات العامة. إن الأدوار التي تستطيع الصحافة أداءها في الأوضاع المثالية هي المشاركة في عملية قيادة التغيير والإصلاح. ومن هذه الأدوار: اقتراح الأفكار الإصلاحية؛ توصيل صوت المواطنين ورؤاهم وتأسيس علاقة باتجاهين بين الدولة والناس؛ وضع الحقيقة كاملة أمام صانع القرار والإشارة إلى كل مواطن الخلل على الملأ؛ فتح الملفات الشائكة التي يجهد أصحاب المصلحة في تجنبها لتبقى معلقة ومناطق أزمة قابلة للانفجار؛ تعريف الناس بحقوقهم الإنسانية الأساسية وحفزهم على التفكير النقدي، وغير ذلك الكثير.
علامة 120 أو 128 –لا فرق- على مؤشر الحريّات الصحفية، تعني أنّ أداء الصحافة الأردنية لَم يخرُج من منطقة الرسوب، وأنها بقيت أسيرة كافة السلطات الأخرى حتى في عام الإصلاح نفسه. ولم تتقدم، كما كان حالها دائماً، أيّ مسافة يعتد بها باتجاه مغادرة موقعها كتابع ينتظر الهِبات، إلى فاعل حاسم في صناعة حريّة الآخرين، كما ينبغي.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بجاجة الى نقابة مستقلة نشيطة (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الاثنين 30 كانون الثاني / يناير 2012.
    ستبقى الصحافة في حالة الرسوب ما دامها اسيرة للقوى الامنية ، وما دام سقفها الذي أباحه جلالة الملك وهو السماء لا يعمل به.. صحافتنا للاسف موجهة وليست حرة طليقة ..ولا الوم اصحاب الصحف لآنه بجرة قلم يمكن تسكير الصحيفة .وبكلمة يلفظ بها اي صحفي أو صحفية يطرد من عمله ، او يسجن .فوراء هؤلاء عائلات مستورة تعتمد عليهم لآعالتها .فاذا ذهب المعيل تشردت العائلة ..ينقص الصحافة نقابة قوية مدوية تحمي اصحاب الصحف ، وتحمي كل الصحفين والصحافيات