علاء الدين أبو زينة

خريف البُسطاء.. متى ينتهي!

تم نشره في الأحد 29 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

اقتبست مجلة الإيكونوميست مؤخراً تقريراً لمؤسسة "فريدوم هاوس" التي تقيس الحريات في العالم، خلص إلى أنها "أصبحت هناك حرية أقل في جميع أنحاء العالم منذ بدأ الربيع العربي". والمشهد الذي يقرؤه الأكثر واقعية منا ولا يحفل برأيهم أحد لأنهم ليسوا سلطة، ليس بهيجاً أيضاً. ففي الوطن العربي، وبعد السقوط السريع لنظامي بن علي ومبارك، حدث ما حذّر منه كثيرون: انتبهت الأنظمة القمعية الأخرى فحصّنت دفاعاتها وردت بأكثر من طريقة. البعض انهال على مواطنيه بكل آلة القمع التي راكمها وخاض المعركة معهم على قاعدة: إما قاتل أو مقتول؛ والبعض فتحوا خزائنهم ووهبوا غيضاً مما سرقوه، والذي اعتبره مواطنوهم فيضاً وإغداقاً، فسكتوا على طريقة "أطعم الفَم تستحي العين." وهناك أنظمة لعبت على التركيبات المحليّة للسكان، وأيقظت العصبيات والنعرات لتخيف الناس بالناس، فسكتوا مغلوبين وفاهمين، ومنحوا فرصة إجبارية لعمليات إصلاح ما تزال تراوح غالباً في منطقة التحضيرات. أما النتائج، فالأمل أن يشهد بعضها جيل الأحياء إذا قُدّر لهم طول العُمر.
وفي العالم الذي يفترض أنّه استلهم انتفاضة العرب أيضاً، ردّت الصين بتشديد قبضتها على الإعلام الاجتماعي والصحافة، وسارعت وتيرة الاعتقالات وقمع الاحتجاجات. وانقض البوليس الأميركي على متظاهري "احتلوا وول ستريت". وقُمع الشباب العاطلون عن العمل في ميادين مدريد ولندن. وفي إفريقيا، شدد الأباطرة السفاحون الحراسة على كراسيهم وشحذوا مخالبهم وأسنانهم. وكما أشرت وأشار غيري، ركب معسكر اليمين الرجعي هنا وفي العالم على ظهر الثورة التي ينبغي أن تكون تقدّمية. وكانت حصيلة عام الثورة في عالمنا العربي مجالس نواب ومجالس وطنية تمثل عيّنة أيديولوجية تختلف في الجوهر والمظهر عن جوهر ومظهر الناس في الشوارع المجاورة، أو تابعة بوضوح لجهات خارجية آخر همها مصالح العرب. وقد أوصل هؤلاء إلى هُناك محتجو الشوارع البسطاء: قمة المُفارقة!
قرأت شيئاً لفؤاد عجمي، منظر الرجعية الأميركية اللبناني الأصل المتنكر لعروبته، والذي فيه الكثير من الحقيقة مع ذلك. لاحظ عجمي أن بائع الخضار التونسي الشهيد محمد البوعزيزي الذي أشعل بجسده شعلة انتفاضة العرب لَم تكُن له صفحة على الفيسبوك. وتقترح هذه الملاحظة أن المعنيين بالثورة أساساً هُم البسطاء المنشغلون تماماً بالبحث عن خبز يومهم وثمن أدوية أولادهم وأجرة السقوف التي تؤويهم. والمسألة بالنسبة لهؤلاء أبسط كثيراً من تنظيرات النّخب، بقدر الفارق بين الباحث بيأس عن عمل حتى فقد الإحساس بالجدوى والمعنى، وبين من يحتجّ حتّى يتمكن من تحديث سيّارته أو فرصة المنافسة على وظيفة عليا. بالنسبة للبُسطاء من باعة الخضار وكلّ الذين يخرجون إلى أعمالهم وهم لا يعرفون إذا كانوا سيؤمنون خبز اليوم التالي، تتقرّر ماهيّة "الربيع" بطريقة مفرطة البساطة: بما إذا كانوا قد أصبحوا أكثر اطمئناناً.
منذ أول "الربيع" وحتى دخوله سنته الثانية، يسألك الأصدقاء والأقارب الذين يتابعون ما يجري، ويعتبرونك مطّلعاً بحكم عملك: "كيف شايف هالأمور، بالك بتصير أحسَن؟" وينطوي هذا السؤال الذي لم يتغيّر على حقيقة تقريرية: إنّ هؤلاء لم يلمسوا حتّى الآن تحسُناً في أحوالهم، ولم يحسّوا بأنّ شيئاً تغيّر إيجاباً. وأنتّ لا تستطيع أنْ تغامر بالإجابة عن سؤالهم المغلف بالقلق أيضاً، لأنّك لم تلمس غالباً تحسُّناً في أوضاعك، ولا أنتّ أكثر منهم ثقة بما سيأتي أو معرفة بما يحصُل.
الذي فعله الربيع بهؤلاء البُسطاء فقط هو أنّه فتّش عن آلامهم وشخّصها لهم، تماماً مثلما يكتشف لك الفحص المخبري وجعاً كُنتَ تجهله. هكذا، استيقظ في الناس خليط من الترقب والقلق والأمل الذي يفاقِم احتمال الخيبة. حتماً هناك جدوى من محاسبة الفاسدين وإعداد قانون أحزاب، لكنّ العروق الخضراء لم تزهر ليراها البسطاء في بيوتهم بعد.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من سيؤمن القوت لعائلات المعتقلين والجرحى ؟؟ (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الأحد 29 كانون الثاني / يناير 2012.
    اريد هنا أن الفي الضؤ على المواطن الذي يعيل اسرة كاملة من مدخولة اليومي ، وهو خيزا كفافنا اعطنا يا رب , ثم أعتقل أو جرح او استشهد في الربيع العالم .فما ذنب اسرته وخاصة اطفاله الذين ليس لهم أي معيل غيره ..لأعلم القرأ كيف كان التنظيم الناضلي في عهدنا أي في الخمسينات .كان اذا أسر أحد المتظاهرين ، أو أصيب ، أو استشهد كان الهيئة التي كان يعمل معها تهتم بأسرته كاملا ..عندما كنت عضوا فاعلا في حزب البعث العربي الأشتراكي في الخمسينات والستينات :ان من احد واجباتي أن أوصل المال والدواء لكافة اهالي المعتقلين والجرحى حتى الذين استشهدوا ، وكان الأخرون قلة جدا والحمد لله