لاجئون سوريون في العاصفة

تم نشره في الثلاثاء 24 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 24 كانون الثاني / يناير 2012. 11:53 صباحاً

لم تكن زيارة الضيف الأبيض مدعاة للسرور للكثيرين ممن يعانون رداءة الحالة الاقتصادية والمعيشية، وعاصفة الثلج التي اجتاحت معظم الدول في منطقتنا أتت على الفقراء وأطفالهم قاسية لا سيما للاجئون السوريون في غير بقعة من الحدود السورية التي أمست عصية على الحياة.
على الحدود مع لبنان تزايد عدد اللاجئين وتزايدت معاناتهم وشكل الأسبوع الأخير فصلا جديدا من فصول تلك المعاناة التي لا تجد وقفة حقيقية من قبل مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي أو الحكومات المتخمة بفوائض النفط، والمعاناة تتعمق أيضا للقادمين السوريين الى الاردن وهم يعانون من ضيق ذات اليد وارتفاع اسعار الشقق وغياب فرص الحياة لهم ولابنائهم علاوة على الهموم التي يحملونها حيال من تركوهم خلفهم في الداخل السوري المكلوم.
غير ان نكد العيش يتجلى في اسوأ تفاصيله داخل مخيمات اللجوء على الحدود التركية السورية، وفي انطاكيا، وهي التي تحتضن بشكل رئيس آلاف السوريين منذ شهور، شكل تساقط الثلوج فيها تحديا استثنائيا يضاف الى سلسلة التحديات التي تلف اللجوء السوري بانتظار سقوط النظام الذي كان سببا في معاناة ما تزال قائمة.
في الريحانية وانطالون وبخشين ويلادا 1 ويلادا 2، شواهد حقيقية على تقصير عربي رسمي وغير رسمي وصمت مخجل لرجال الأعمال الذين يبتكرون أساليب عدة لاختراق الأسواق وغزو المستهلكين ولكنهم يتجاهلون الوقوف إلى جانب أطفال يموتون تحت قسوة الثلج في تلك المخيمات، حيث ينقطع التيار الكهربائي منذ عدة أيام، كما تقطعت الطرق بسبب تراكم الثلوج واستحالة الانتقال من والى تلك المخيمات.
في الوقت الذي يقوم فيه الاطفال بالاستمتاع بمنظر الثلج الناصع في دول المنطقة يئن اطفال سوريون تحت تراكم الثلج فوق الخيام بما في ذلك من انعدام للدفء وغياب الحد الادنى من المأكل والمشرب لهم، بل إن ثقل الثلج فوق تلك الخيام جعلها عرضة للعاصفة هناك ولا يتوفر لدى اللاجئين القدرة على ازاحة الثلج من فوق الخيام وهو ما يجعل مصير آلاف السوريين مرهوناً بعاصفة اتت على ما لديهم من إمكانات هزيلة في تركيا.
اذا لم تحرك تلك المشاهد الحزينة والصور القاسية التي تواترت من انطاكيا وباقي المناطق الحدودية بين تركيا وسورية ضمير مؤسسات المجتمع المدني والحكومات ورجال الاعمال في العالم العربي، فما الذي سيحرك هذا الضمير إن تصاعدت الشدائد وارتفعت محنة اللاجئين السوريين الذي فروا من القتل والترويع في بلدهم بعد ان وصلوا الى طريق مغلق مع نظام استبدادي اثخن في قتل الاطفال وترويعهم، ولعل اكثر ما يحز في النفس سياسيا واقتصاديا وقبلهما انسانيا ان شبح الموت يلاحق الطفل السوري إما من شبيح وقاتل داخل وطنه او من الثلج ورداءة الاوضاع على الحدود في مخيمات اللجوء.
في الشهور الاخيرة من العام الماضي ظهرت حملة سياسية واعلامية هدفت الى تأمين امدادات اللاجئين وتحسين ظروف حياتهم تمهيدا لعودتهم بعد سقوط النظام، وتركزت تلك الحملة في الأردن وبالتنسيق مع جهات تمويل عربية اخرى، وساعدت تلك الحملة – وان كانت تعاني من عجز مالي منذ بدايتها وحتى اليوم- في تحسين نسبي لاوضاع اللاجئين في المفرق والرمثا ومناطق اخرى، لكن ما يحدث على الحدود التركية السورية يدفعنا الى اطلاق الصوت عاليا من اجل حماية اطفال لا ذنب لهم الا ان ذويهم طلبوا الحرية للمرة الاولى والوحيدة في حياتهم.
انها دعوة لاسناد الاشقاء السوريين، وليتذكر كل منا ان فرح اطفاله وهم يستقبلون الثلج لا يعكس الصورة كاملة، فثمة صورة هناك في انطاكيا تكشف جانبا من قصورنا تجاه من قرر ان لا يكون عبدا.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق