علاء الدين أبو زينة

"ربيع العرب".. ثورة يمين؟!

تم نشره في الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

بعد أن أعلن "نهاية التاريخ"، يستأنف المنظر الشهير، فرانسيس فوكوياما، حكمه السابق على التاريخ، فيبحث في "مستقبل التاريخ". وهو يلاحظ في القراءة التي نشرت مؤخراً تحت هذا العنوان، أن الحركات الشعبوية في الثورة العالمية الأخيرة تأخذ -حتى الآن- شكل اليمين، وليس اليسار. ويذكر على سبيل المثال حركة "حزب الشاي" في أميركا، الذي يطرح نفسه على أنه ضد-نخبوي في خطابته، لكن "أعضاءه يصوّتون للساسة المحافظين الذين يخدمون بالضبط مصالح أولئك الممولين ونخب الشركات الذين يزعمون أنهم يحتقرونهم". ويرى فوكوياما أن "حزب الشاي" يؤثر، كيمين شعبوي، أكثر من حركة "احتلوا وول ستريت" التي ما يزال عليها أن تكتسب جاذبية.
ومع أن فوكوياما لا يخفي استغرابه وحيرته من هذا التبادل في الأماكن، فإنّه يذكر بعض الأسباب التي تقف وراء ذلك؛ منها أن هناك إيماناً في عمق وعي الحركات الشعبوية السائدة بمبدأ تساوي الفرصة أكثر من تساوي الدخل، وحقيقة أن اهتمامها بالقضايا الثقافية، كالإجهاض وحق امتلاك السلاح، تتقاطع مع القضايا السياسية.
لكن "السبب الأعمق الذي جعل اليسار عموماً يفشل في تجسيد نفسه"، يقول فوكوياما، "هو سبب فكري. فقد مرت عقود منذ تمكن أحد في اليسار من الإفصاح بوضوح: أولاً، عن تحليل متماسك لما يحدث لبنية المجتمعات المتقدمة وهي تمر بالتغير الاقتصادي؛ وثانياً، عن أجندة واقعية تنطوي على أمل بحماية مجتمع تشكل الطبقة الوسطى سمته الغالبة".
إذا سحبنا هذه القراءة على "الربيع العربي"، فيمكن اقتراح أن الثورات الشعبية في الربيع العربي تُنتج، على مستوى القوى القادرة على الفعل السياسي، شكلاً شعبوياً يمينياً أيضاً. وفي كلّ الأمكنة التي أنجزت تغييراً أو تطالب بالتغيير، تتصدّر المشهد قوى محافظة بنيوياً، تندرج تحت يافطة "القوى الإسلامية". وفي المقابل، نجد أن اليسار الأيديولوجي، ومعه القاعدة العريضة من الشباب المتعلم والمنفتح المنتمي بالتوصيف إلى الطبقة الوسطى، والذي أشعل الثورة، يعانون من التغييب عن الفعل السياسي، ويفقدون الأرضية بشكل حتمي لحساب القوى الأكثر خبرة وتنظيماً. والسبب الذي يتعقبه الجميع هو افتقار هؤلاء إلى الإفصاح عن رؤية وبرنامج متماسكين، على النحو الذي وصفه فوكوياما.
إلى جانب ذلك، تعنون القوى المحافظة التي تجتاح صناديق الاقتراع نفسها بعناوين ثقافية/ أخلاقية تطهيرية من حيث الأساس: الورع الديني، واللباس، حظر الكحول، وقانون الشريعة. وكانت اليافطة العامة لخطاب هذه الحركات، كما يعرفه الناس العاديون على الأقل، هي الخطاب الدعوي العقائدي أولاً، بافتراض أن الترتيبات الاقتصادية والمؤسسية ستتفرع وتتلو آلياً. وهكذا، في عالم معولَم يتعذر فيه عدم الاشتباك بآليات السوق المفتوحة والسياسة البراغماتية المتشابكة، ستجد هذه القوى نفسها حتماً أمام استحقاقات دنيويّة تماماً، والتي يرجّح أنْ تضعها أمام احتمال التناقض مع فكرها الأساسي العُلويّ.
أول الاستحقاقات الدنيوية البراغماتية، كما يجري موضوعياً، هو الحديث عن تبني هذه القوى لنموذج الديمقراطية الليبرالية. وإذا كانت القوى الدينية، المعتدلة والراديكالية على حد سواء، تقبل بالانتخابات الديمقراطية نفسها وبنتائجها، ثم بالتآلف مع القوى العلمانية والتعددية الحقيقية، فإنّ الناتج المتوقع سيكون غالباً إعادة إنتاج للأنظمة الحاكمة المحافظة التقليدية. بمعنى: إذا كان رجل الدين في السلطة سيجعل من أمر أدائه الفروض والعبادات شأناً شخصياً يخصه وحده، ويخرج من بيته ليمارس في الوظيفة السياسة والإدارة العلمية ولا ينشغل بفرض الورع قسراً، فإنّ جوهر الأمر لن يختلف عن صورة الحاكم العربي التقليدي. فكثيراً ما عمد هؤلاء الحكام إلى الصلاة علناً أيام الجمعة والأعياد، وأدوا الفرائض وأظهروا الورع الديني، في حين بقيت الهوية الثقافية للدولة إسلامية عامة، ونهجها أقرب إلى العلمانية البراغماتية على المستويات المختلفة. وينطبق الأمر أيضاً على العلاقات الخارجية، حيث ستملي الضرورات الدبلوماسية التعامل مع القوى الغربية التي يعاديها الخطاب النظري للقوى الدينية العربية.
لا حاجة للحديث عن البديلين: الدولة الثيوقراطية التي تشتري استقرارها بعوائد النفط، أو الدولة الطالبانية. وشروط قيامهما شبه مستحيلة في معظم الأماكن. لكنّ ذوبان الطبقة الوسطى، الضرورية لنموذج الديمقراطية الليبرالية؛ بالإضافة إلى غياب أطروحة اليسار وتفسيراته المتماسكة، يجعلان من حاصل "الربيع العربي" -إلى الآن- ثورة خطاب شعبوي يميني، بامتياز.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ونسأل كيف سادو العالم (فوكو ياما)

    الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2012.
    تحليل فوكوياما فذ ومبدع والمقاربة موفقه علميا للكاتب, وينسحب على الربيع العربي بلا شك ,وهناتحديدا تأتي عبقريةالسياسة في هضم واستثمار العقول المبدعة وتوظيفها...وليس كلام جرائد.